
قلبها كان بيدق بسرعة لدرجة إنها كانت حاسة إن صوته سامعه في الأوضة كلها. كلامه نزل على قلبها زي المطر بعد فترة جفاف طويلة، بس الحذر من بكرة ومن عواقب الكلام ده كان أقوى ومسيطر عليها.
نزلت عينها بخجل وقالت بصوت مكسور:
“يا فارس.. انت مش فاهم.. الناس هنا مش هترحم، وتيسير هانم والعينين اللي مترقبة كل خطوة لينا.. ومين أنا أصلاً جنب اسمك وعيلتك؟”
فارس قرب أكتر لدرجة إنها بقت حاسة بأنفاسه الدافية، وبتوسيعة إيده أحاط ضهرها بحماية تامة، وقال بصوت حاسم مفيش فيه أي مجال للنقاش:
“محدش في البيت ده كله يقدر ينطق بحرف واحد، ولا حتى يبص لك بنظرة مش عاجباني.. اسمك هيبقى مربوط باسمي، وكل اللي بيتقال ده هيتلغي في ثانية لما أقول كلمتي.”
قبل ما تلحق ترد أو تستوعب هو بيقصد إيه، ملامحه هديت شوية وميل وشه وهمس جنب ودنها بصوت دافئ:
“دلوقتي.. اطلعي ارتاحي في أوضتك، وبكرة الصبح كل حاجة هتتغير.”
فتون هزت راسها بخفة وهي مش مصدقّة إنها قدرت تخرج من الموقف ده، فتحت الباب وطلعت بخطوات سريعة لغرفتها، وقلبها بيدق بجنون وهي مش عارفة هي رايحة على فين في دنيا فارس مهران الجديدة دي.
تاني يوم الصبح، القصر كله كان نايم على هدوء غريب كأن العاصفة اللي بره سابت أثرها جوه الحيطان كمان.
فتون نزلت من أوضتها، لابسة العبايات واللبس المعتاد بتاعها كالعادة، بس قلبها كان من جوه في حتة تانية خالص. دخلت المطبخ عشان تبدأ شغلها اليومي وتجهز الفطار ليوسف، وكانت بتفكر هل اللي حصل امبارح كان حقيقة ولا حلم صحيت منه؟
فجأة، باب المطبخ اتفتح وظهرت تيسير هانم. وشها كان مشطوب عليه علامات الدهشة والارتباك، وراحت واقفة قدام فتون وقالت بنبرة فيها لأول مرة احترام مبالغ فيه:
“يا فاطمة.. البيه بينادي عليكِ في مكتبه فوراً.”
فتون وقفت في مكانها والصينية كانت هتقع من إيديها، وبصت لتيسير بدهشة:
“أنا؟! هو سي فارس عايزني في إيه؟”
تيسير بصت لها نظرة غريبة وقالت:
“روحي وهيبيان لك.. البيه مش بيكرر كلامه مرتين، وكل الخدم والبيت كله مستني القرار اللي هيعلنه.”
بلعت ريقها بصعوبة، سابت الصينية على الرخامة، وعدلت هدومها بحذر وتردد، وبدأت تمشي خطوة بخطوة ناحية مكتب فارس، وهي مش عارفة هي رايحة تقابل نهايتها كخادمة مكسورة، ولا بدايتها كملكة حقيقية للقصر ده كله.
قلبها كان بيدق جامد لدرجة إنها حست إن ضرباته بتخبط في طرقة القصر الطويلة وهي ماشية. فتحت باب المكتب بخبطة خفيفة وواطية ودخلت.
لقيت فارس واقف قدام الشباك الكبير اللي بيبص على الجنينة، ولابس بدلة سوداء كاملة من غير كرافطة، وشكله واخد قرار مش هيرجع فيه أبداً. أول ما حس بحركتها، التفت وبص لها بعينين ماليها ثقة وسيطرة، وفضل واقف مكانه لحد ما قربت وقفت بحذر متردد.
“طلبتني يا… يا فارس؟” قالتها بصوت واطي وهي منزلة عينها في الأرض.
#حكايات_شروق_خالد
#حصري
فارس مشي بخطوات واسعة لحد ما وقف قدامها مباشرة، رفع دقنها بإيده بهدوء عشان تغصبه تبص له:
“رفعتي عينك في عيني ليه؟ مش اتفقنا مفيش حذر بينا خلاص؟”
بلعت ريقها وقالت بصوت مكسور: “أنا مش خايفة.. بس مش مصدقة اللي بيحصل، تيسير هانم بتقول إنك عايزني في المكتب قدام الكل.”
فارس ابتسم ابتسامة خفيفة زادت وسامته خطورة، وقال بنبرة صارمة ومحسمة:
“الكل بره في الصالون الكبير.. الخدم، والحراس، والمديرة. جمعتهم كلهم عشان أقولهم حاجة واحدة ومش هعيدها.”
فتون اتفتحت عينيها بدهشة: “جمعتهم كلهم؟! ليه يا فارس؟ انت بتهزر؟ لو شافوني طالعة من مكتبك بالطريقة دي هيقولوا…”
قاطعها بحسم وهو بيمسك إيديها الاتنين ويثبتهم بين إيديه بحماية:
“هيقولوا اللي يعجبهم، بس من النهاردة مفيش مخلوق في القصر ده كله يجرؤ ينطق بحرف واحد عليكي. اللي هيقول كلمة ناقصة، خروجه هيكون في ساعتها.”
سكت شوية وبص لعينينها بتأكيد:
“إنتي مش مجرد خادمة هنا يا فاطمة.. من النهاردة، إنتي شريكة حياتي، وأم ابني، وملكة القصر ده كله. ويوسف جوه مستنيكي عشان تقعدوا كلكم على نفس السفرة كعيلة واحدة، مش كأسياب وخادم.”
فتون نزلت دمعة سخنة على خدها من كتر التأثر والمشاعر اللي خبطت قلبها مرة واحدة. مكنتش مصدقة إن البني آدم صاحب الهيبة اللي بيتحفظ منه أعتى رجال الأعمال، واقف هنا بيكسر كل القواعد دي عشانها هي، البنت البسيطة اللي محدش كان بيبص لها.
مسحت دمعتها بإيدها المرتعشة وقالت بصوت دافئ مليان حب:
“أنا خايفة.. بس طول ما إنت جنبي، مبقاش في قلبي مكان للحذر.”
فارس ابتسم ونزل على ودنها همس بصوت دافئ يقطع قلبها:
“يلا بينا يا ملكتي.. نوريني قدامهم كلهم.”
مسك إيديها بقوة وثبات، وفتحت باب المكتب جنبه، وخطت معاه الخطوة الأولى في حياة جديدة تماماً.. حياة مفيهاش حذر ولا اختفاء، حياة باقية ليها هي وبس.
#حكايات_شروق_خالد




