روايات وقصص

ملكة المطبخ ج1#حكايات_شروق_خالد

الساعة كانت اتنين وسبع دقايق الفجر، لما فارس مهران رجع البيت وآثار تعب لسه على أطراف كمّ قميصه، وعقله ماليها أفكار تشغله وتقلق باله.. وفجأة وقف مسمّر في مدخل المطبخ بتاعه، والسبب؟ الخادمة الصغيرة اللي كل اللى في القصر بيعاملولها وكأنها قطعة أثاث، كانت بترقص حافية على نور الموقد، كأنها كانت قاعدة تستنى طول عمرها لحظة واحدة لوحدها تحس فيها إنها حلوة ومميزة.

مكنتش إنها حسّت بيه.

ودي الحاجة الوحيدة اللي خلتّه يبلع لسانه ويسكت.

فاطمة “فتون” حسن كانت حاطة سماعات لاسلكية في ودنها، وشعرها الأسود الكيرلي نازل على ظهرها، ولابسة بنطلون رياضي رمادي نازل على وسطها، وتوب أسود ماكنش ممكن تلبسه أبداً لو كانت تعرف إن فيه بني آدم صاحي في البيت ده.

بالنهار، كانت بتداري نفسها تحت عبايات واسعة وقمصان فضفاضة وابتسامات مصطنعة، بتنظف الفيلا وهي ساكتة وعينها في الأرض، وبتتكلم بصوت واطي خالص؛ عشان اللي زيها اتعلموا من بدري إنهم لو ظهروا أو خدوا مساحة، آخرتها هتكون قسوة وظلم.

بس في نص الليل، جوه مطبخ القصر الرخامي الواسع، كانت بتحرك جسمها كأنها مالكة الدنيا واللي فيها.

المطر كان بيخبط في الشبابيك الكبيرة بعنف، والقصر اللي على أطراف القاهرة كان بيترعش من العاصفة، وبره كان فيه حراس مسلحين بيأمنوا مكان شكله فخم اه، بس من جواه كان أشبه بمكان مغلق كبير.

وفتون مكنتش سامعة أي حاجة من ده كله.

علّت الصوت في السماعات وبدأت تهز وسطها بتناغم جنب البوتجاز، وفيه حلة لبن صغيرة بتسخن على نار هادية. حركاتها بقت أجرأ وأحلى، وضحكت لنفسها بصوت واطي وهي بتسند بإيدها على الرخامة عشان تتوازن. جسمها كان متناسق وحضورها لافت، ولأول مرة تحس إنها مش محتاجة تعتذر على ده.

وفارس كان واقف يراقبها من الظلمة.

في سن الخامسة والثلاتين، كان أرمل، وصارم من أقصى البلد لأقصاها، وبارد لدرجة إن بعض الرجال كانوا بيغضوا بصرهم أول ما يدخل أي مكان. قدام الناس، صاحب شركات استيراد وتصدير ناجحة.. ومن وراهم، بيحكم دائرته ورجاله بحزم بالغ الشدة.

بس جوه البيت هنا، غالباً كان بيحس إنه غريب عن ابنه.

يوسف ابنه، اللي عنده خمس سنوات، خسر مامته من سنتين، ومن ساعتها مبقاش يثق في حد نهائي. كان بيبعد أي مدرسة، وبيطرد الخدم، ورافض ينام لوحده. بس سبحان الله، اتعلق بفتون تعلق أعمى. هي مكنش مطلوب منها ترعاه أساساً، دي كانت خادمة عادية، بس الولد كان ماشي وراها زي الظل، وبقت هي البني آدم الوحيد اللي بيعرف يهديه بعد الكوابيس، أو يرجع الضحكة لوشه في أصعب أيامه.

فارس كان ملاحظ ده من زمان.

مش عشان كان مهتم بفتون أساساً.

لكن عشان يوسف مكنش بيبطل سيرة عنها وعايزها جنبه دايماً.

وطول ستة أشهر، فارس يا دوب كان بيعبرها بكلمتين: صباح الخير بهدوء، إيماءة في الطرقة، وقبض المرتب أول الشهر. أكتر من كده مفيش.

ودلوقتي، واقف في مطبخه ساكت، بيفرج على فاطمة وهي بترقص كأن الوحدة لقت أخيراً اللحن اللي يعجبها.

نزلت لتحت وهي بتضحك بخفوت، وبعدين رفعت ايديها الاتنين فوق راسها. في اللحظة دي، مكنتش شبه خالص الخادمة الهادئة اللي بتنكمش أول ما رئيسة الخدم تعاتبها أو تلومها بكلمتين. كانت دافية، وحية، وحقيقية بجد.

فارس كان لسه ساهر طول الليل يدير صفقات ويتعامل مع رجال بحزم شديد، وخلص قاعدة شكلها صارم في مكان سري بتوجيه محدش هيقدر ينساه.

ومع ذلك، المنظر ده أقلقه أكتر بكتير.

الإعجاب هو عارفه وفاهمه.. الاهتمام، والتقدير، والقرارات المتسرعة اللي الرجالة بتعملها لما يعوزوا حاجة بجنون، كل ده مألوف عنده.

بس اللي شافه مكنش ده.

مراقبته وهي بترقص لوحدها في المطبخ مكنش مجرد اهتمام بها وبس.

دي خلتّه عايز يحميها.

ودي حاجة جديدة تماماً.

حاجة مهمة.

فتون التفتت للبوتاجاز وهي لسه بتتحرك برقة ومدت إيدها تشيل الحلة. فارس اتحرك خطوة لورا قبل ما تحس بوجوده، واختفى في الطرقة زي الدخان. دخل مكتبه وقفل الباب، وفجأة حس إن إيده بتترعش لوحدها.

صب لنفسه كاس مياه مثلجة وشربه دفعة واحدة، وبص لابتسامته الباهتة المنعكسة على قزاز الشباك في الضلمة.

فاطمة حسن.. فكر لنفسه.

الخادمة اللي الكل بينساها.

الست اللي قسمت حياته لنصين: قبل ما يشوفها.. وبعده.

تاني يوم الصبح، فتون حست إن فيه حاجة مش عادية من قبل ما تدخل السفرة حتى.

فارس مهران كان في البيت.

وعمره ما كان بيقعد يفطر في البيت أصلاً.

نزلت وهي لابسة كارديجان بيج فوق فستان كحلي واسع، وشاماها مشدود لورا ووشه من غير نقطة مكياج. رجعت تاني للشخصية اللي الكل متعود عليها في القصر: هادئة، حذرة، مجتهدة، وكأنها مش موجودة أساساً.

ولما دخلت، لفت وشها ولقته قاعد على راس الترابيزة الكبيرة.

قميصه الأسود مفتوح من فوق، وشعره الداكن لسه ندي من الماء، وفيه أثر خفيف على مفاصل صوابعه. كان شكله كواحد مطبق ومنعس بس وراه قصة طويلة مش ناوي يحكيها لحد.

يوسف اول ما شافها نطق بلهفة:

“بابا!”

ولجزء من الثانية، صرامة وش فارس لحت شوية، فتح دراعه، والولد جري نط في حضنه على طول.

فتون فضلت واقفة بعيد جنب الباب.

“صباح الخير يا فندم.”

فارس بص لها.. مش من فوق لتحت زي كل مرة.. لا، بص لها هي بجد.

“يا فاطمة.”

حكايات شروق خالد

طريقة نطقه لاسمها خلت بطنها تنقبض في مكانها.

قالت بسرعة وارتباك: “أنا هجهز الفطار جوه في المطبخ.”

“لأ.”

صوته كان هادي ومفيهوش نقاش:

“هتأكلي هنا معانا.”

رمشت بعينيها بعدم تصديق:

“أنا… أنا أصلاً مش بقعد أفطر مع العائلة.”

رد عليها من غير ما يشيل عينه من عليها: “عارف أنك مش بتعملي كده.. بس النهاردة هتقعدي.”

تيسير هانم، رئيسة الخدم، كانت واقفة جنب البوفيه، وحواجبها طلعت لفوق من الصدمة.

الدم جري في وش فتون وبقى أحمر من الخجل.

“يا سي فارس… مش هينفع كده، عيب.”

فارس اتسند بضهره على الكرسي وقال ببرود مقصود:

“البيت ده بيتي، وأنا اللي بقرر إيه اللي ينفع وإيه اللي لأ.”

ويوسف مد إيديه الصغيرين وماسك في فتون بإصرار:

“اقعدي جنبي يا فتون، أنا عايزك هنا.”

وكده الكلام خلص.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى