روايات وقصص

المحطة الأخير لقلب سيف الهواري ج2 حكايات شروق خالد

سيف قرب منها وحط إيديه في جيوبه وهو بيبتسم:

— وشايفه إيه كمان محتاج إصلاح في ملكي؟

— نظام الري هنا كله معمول بطريقة قديمة.. لو عدلت الزوايا دي وضبطت المحبس الرئيسي، هتوفر مية وتخلي الشجر يروي نفسه أوتوماتيك من غير ما حد يقف جنبه.

سيف بص لها بإعجاب واضح جداً وقال:

— تعرفي إنك كل ما بتتكلمي عن الشغل، بتطلعي أذكى وأجمل من اليوم اللي قبله؟

داليا سكتت ثواني، وحست إن قلبها دق دقة مش في مكانها.. بصت له وقالت بتهرب:

— بطل كلام الغزل ده، وهات لي مفك صواميل مقاس 12 عشان أكمل اللي بدأته، ولا أقولك؟ هات لي قهوة مظبوطة الأول أحسن أنا دماغي مفبركة من النوم في مكان غريب!

سيف ضحك بصوت عالي ملا الجنينة، ورفع إيديه بإشارة للخدم:

— القهوة، وأكبر صندوق عدّة يتلاقيه في الورشة، فوراً لمدام الهواري!

القهوة وصلت في كوباية خزف فخمة، والخدم جابوا صندوق العدة كأنهم شايلين صندوق ذهب. داليا شربت رشفة من القهوة المظبوطة وظبطت دماغها، وبعدين قعدت على ركبتها قدام محبس الري الرئيسي وبدأت تشتغل بحماس.

سيف كان قاعد على كرسي خشب قريب منها، حاطط رجل على رجل، وعينه مش بتفارق طريقتها وهي بتحل وتربط وتوجه العمال بجدية تخليه يحترمها أكتر وأكتر.

بعد ساعة شغل، داليا قامت وعدلت ضهرها، مسحت العرق اللي على جبهتها بإيديها وهي بتتنفس بعمق، وبصت لسيف بانتصار:

— خلصت! جرب كده افتح المحبس الرئيسي وشوف المية هتوصل لحد فين.

سيف قام من مكانه وراح فتح المحبس بإيده. في ثواني، المية اتدفقت في كل خطوط الري بانتظام مذهل، ورشت الشجر والورود في الجنينة كلها بطريقة هندسية دقيقة كأنها لوحة فنية.

العمال حواليهم صفقوا بذهول، وسيف بص للمية وبعدين لداليا بابتسامة واسعة ماقدرش يخبيها:

— تحفة.. إنتِ مش مهندسة عادية، إنتِ عبقرية يا داليا.

— طبعاً، امال إنت مفكر إيه؟ — قالتها وهي بترفع راسها بثقة — إنت خدت الباقة كاملة؛ مهندسة، وست بيت، وكمان مراتك!

سيف ضحك ضحكة عميقة، وقرب منها خطوة لحد ما بقت المسافة بينهم قريبة قوي، وبص في عيونها مباشرة بنبرة هادية وبصوت قريب:

— مين قال إنها بالغصب؟ أنا يمكن أكون دخلت اللعبة صدفة، بس صعب جداً أسيبك تخرجي منها بسهولة.

داليا حست بوجهها بيولع حرارة، وبدأت تتراجع لورا بخطوة:

— إحنا اتفقنا على أسبوع واحد بس.. ومفيش كلام تاني!

— أسبوع.. ماشي يا ستي — قالها سيف وهو بيبتسم بخبث — تعالي جوه بقى عشان أفطر معاكي، وبعدين هأخدك مشوار هيعجبك جداً.

— مشوار فين؟ — سألت داليا بشك وهي بتربع إيديها.

— مشوار هيعرفك أنا ليه متمسك بيكِ من أول دقيقة.. تعالي بس وادخلي القصر.

دخلوا القاعة الرئيسية، وكانت السفرة الكبيرة مليانة أشكال وألوان من الأكل البيتي الجميل: فطر، جبنة قريش، عيش بلدي سخن، وفطير مشلتت بريحة السمنة البلدي اللي تجيب آخر الدنيا.

داليا فتحت عينها باستغراب وهي بتبص للأكل:

— إيه ده كله؟ هو إنت بتعرف تظبط أكل فلاحي كمان؟ ولا جايب طباخ يضحك عليّا؟

سيف قعد على الكرسي وشاور لها تقعد قصاده، وقال بابتسامة هادية:

— أنا أصلاً مولود في صعيد مصر، وعشت سنين طفولتي وسط الغيطان وقصب السكر.. صحيح عشت سنين طويلة في القاهرة وبرا مصر، بس الأكل ده هو اللي بيرجعني لأصلي.. واكتشفت بالصدفة إن مراتي البسيطة اللي جاية من الفيوم هتعرف تقيم العزومة دي أكتر مني.

داليا قعدت وهي مش مصدقة ودانها:

— استنى.. يعني إنت مش مجرد رجل أعمال قاهري وسيم وشرير زي ما الناس بتقول؟ إنت طلعت فلاح قديم زينا!

— أنا رجل أعمال، نعم، بس الأصول اللي جوايا مابيموتش.. وكفاية إن أصل العيلة بيفضل هو الأساس — قالها وهو بيناولها رغيف عيش سخن — كلي وافتحي نفسك، عشان ورانا مشوار طويل هيعرفك مين هو سيف الهواري بجد.

بعد الفطار اللي كان مليان ضحك ونقاشات خفيفة كسرت الجليد بينهم، ركبوا العربية ودخلوا طريق سريع في القاهرة لحد ما وقفوا قدام مستشفى استثماري كبير وفخم في منطقة المعادي.

داليا نزلت من العربية بسرعة وقالت بخضّة:

— إحنا جايين مستشفى ليه؟ مين تعبان؟!

سيف نزل وراها، وحط إيده برفق على كتفها عشان يطمنها:

— اهدي.. مفيش تعب، تعالي معايا بس.

دخلوا الطابق الخاص بكبار الزوار، وهناك، وسط باقات ورد ضخمة وأجهزة طبية حديثة، لقوا “صالح” (خال داليا) واقف قدام أوضة العناية المركزة، وبجانبه الدكاترة بيضحكوا.

أول ما داليا شافته، جريت عليه وهي بتعيط:

— يا خالي! جدتي عاملة إيه؟ والعملية؟

خالها حضنها وعيونه بتلمع بالدموع والفرحة:

— العملية تمت يا داليا.. ودكاترة القلب خلصوها من ساعة، والجدة نايمة وبتتنفس طبيعي جداً.. وقالوا إن قلبها بقا بحالة ممتازة!

داليا التفتت بسرعة وعيونها مليانة دموع الفرح والامتنان ناحية سيف اللي كان واقف بعيد شوية حاطط إيديه في جيوبه وبيبص لهم بابتسامة دافئة.

جريت عليه من غير ما تحس بنفسها، ورمت نفسها في حضنه وهي بتعيط بصوت عالي:

— شكراً.. شكراً يا سيف.. والله ما عارفة أقولك إيه!

سيف حضنها بإيديه الاتنين بحنان وقوة، وباس راسها بهدوء، وهمس في ودنها:

— متقوليش حاجة.. عروستي ما تقولش شكرا لأي حاجة.. المهم عندي إن ضحكتك دي ترجع تنور البنسيون.. وتكسر الدنيا هنا في القصر.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى