ومن وراها، صوت ست قطع الهدوء في الأوضة زي السكينة في الحلاوة: “يا لهوي، هي البتاعة دي من الشغالين؟”
أمل أدارت رأسها.
كانت الحاجة فريدة واقفة في الممر الأوسط ومعاها بنتين وابتسامة واحدة مقسومة بينهم. الابتسامة كان أغلبها غل وشر. كانت لابسة حرير بنفسجي وفي شعرها ريش، ورسمة وشها رسمة واحدة قضت حياتها كلها مهمة في أوض ومجالس مالهاش أي لازمة.
أمل وطت شوية تحية—كانت الحركة مش مظبوطة، لأنها كانت لسة تسند البيانو. “أنا جايبة سلك للمتر عماد.”
“المتر عماد هو اللي المفروض ييجي.”
“لا يا هانم. هو تعبان، عشان كده بعت بنته.”
أمل كان عندها اتنين وعشرين سنة. وسمعت كلام وأسماء أوسخ من كده بكثير من ناس لابسين أحسن من كده بكثير.
“بنته؟” نظرة الحاجة فريدة مشيت على قفازات أمل المتخيطة، وفستانها الصوف البسيط، وشعرها المربوط بشرائط كان لونه أزرق زمان. “هي البنات بقت بتظبط بيانو دلوقتي؟”
بصت أمل للبيانو الأسود الكبير اللي على المنصة—اللي بيلمع ومتأنق وعمره ما شاف يوم أسود في حياته.
“لما البيانو يسوء أدبه بس.”
البنت الكبيرة بتاعت الحاجة فريدة ضحكت—ضحكة حادة ومرتفعة خبطت في السقف ونزلت تحت عند رجل أمل. الحاجة فريدة ما ضحكتش. بصت لأمل زي ما حد يبص لبقعة تقيلة على مفرش الترابيزة.
“ما تطوليش لسانك في قاعة الباشا.”
“حاضر يا هانم.”
“وما تقفيش جنب المنصة، لحسن الضيوف يفتكروكي جاية تتسلي أو ترفهي عنهم.”
أمل اتزحزحت على جنب. البيانو اتميل معاها، واضطرت تسنده بكتفها تاني—حركة ما كانتش شيك ولا فيها برستيج، بس كانت ضرورية جداً. حد وراها شخر بصوت واطي. الصوت مشي بين الناس زي الريح في الزرع.
التريقة بتجري بسرعة قوي بين أصحاب الجزم الغالية.
أمل حسيت بالحرارة طالعة في زورها. رفعت ذقنها وفضلت باصة قدامها. قاعدة أبوها في البيوت الغنية كانت بسيطة: عمرك ما تبان جائع. عمرك ما تبان تايه. وعمرك ما تلمس حاجة ما تقدرش تصلحها.
هي نجحت في الأولى والتانية. بس التالتة كانت صعبة قوي.
قالت الحاجة فريدة: “أهي بقت بتزحف كمان.”
الكلمة دي هي اللي جابت أخرها—مش الإهانة نفسها، الإهانات رخيصة وأمل تشربها زي الشاي البايت. البلاء كان في البيانو القديم اللي قاعد هناك والناس بتتعامل مع الخراب والكسر كأنه نكتة. كان في الخادم اللي ما اتحركش. كان في الأوضة المليانة ناس عمرهم في حياتهم ما اضطروا يشيلوا حاجة تقيلة ومكسورة وهم الناس بتضحك عليهم.
أمل وقفت.
رفعت الغطاء المكسور بتاع المفاتيح. الخادم همس: “يا آنسة—”
قالت أمل: “سُلّم واحد بس.”
وقعدت. الكرسي كان واطي قوي—زاوية منه مائلة، زي كل حاجة في الصالة دي ما كانت مائلة وقرف. حطت صوابعها على المفاتيح الصفراء.
الأوضة ضحكت أخر ضحكة.
وبعدين عزفت.
أول نغمة كانت معوجة. مش معوجة قوي—معوجة زي راجل طيب مجاله دور برد. ظبطتها قبل النغمة التانية. عند النغمة الرابعة، عرفت الآلة بتكذب في إيه. وعند النغمة الثامنة، عرفت هي بتقول الصدق فين.
ما عزفتش مقطوعة كبيرة وفخمة. المقطوعات الفخمة بتاعة الأوض الفخمة، والأوضة دي كان فيها منظرة كفاية. عزفت لحن قديم بتاع السوق كان أبوها بيدندنه وهو بيظبط السلك—حاجة بسيطة، حاجة بتاعة الشوارع والمطابخ وصالات المساجد، مش بتاعة كراسي قطيفة وزهر نرجس.
وبعدين غيرت اللحن.
خلت النغمات الحادة المكسورة تضحك. خلت النغمات التقيلة تتأفأف زي حد بيلعب كوتشينة وله أصول. خلت المفتاح المكسور يرد متأخر، وحولت التأخير لذكاء. البيانو القديم ما كانش فيه لمعة، بس كان فيه شخصية تعمل مشكلة في جامع. أمل إدته مساحته.
الصالة هديت.
المراوح اليدوية اتوقفت.
حفيف الحرير سكن.
في أخر الصالة، راجل طويل واقف جنب الباب المفتوح اتسمر مكانه. شعره أسود، ووشه مشدود، وإيد بلفاز مستريحة على عصاية فضة. أمل ما كانتش تعرفه. كانت تعرف بس إنه بيسمع بطريقة مختلفة. أغلب الناس بتسمع بوشها، هو كان بيسمع بجسمه كله—كأن الصوت بقي ضيف خطير دخل عليهم.
لما أمل خلصت، النغمة الأخيرة المعوجة فضلت معلقة في الأوضة. كان المفروض تبدو بشعة، بس طلعت شجاعة جداً.
محدش صقف.
وبعدين الراجل الطويل صقف. مرة… اتنين.
الصوت ما كانش عالي، بس نزل على الأوضة زي صينية وقعت على الرخام. كل الرؤوس لفت. الخادم اللي جنب أمل وشه اتخطف وبقى أصفر. الحاجة فريدة وطت بسرعة تحية لدرجة إن الريش في شعرها اتهز.
“يا باشا.”
بطن أمل اتسحبت لتحت.
الراجل الطويل كان الحاج شريف الباشا.
بص للحاجة فريدة: “هو أنا قطعت التريقة؟”
بق الحاجة فريدة اتفتح. وما طلعش منه أي حاجة مفيدة.
مشى الباشا ناحية المنصة. كان بيتحرك بتقل ومسكة نفس، وميل خفيف على العصاية. الراس الفضة بتاعة العصاية كانت على شكل بجعة. أمل كرهتها أول ما شافتها. شكلها كان زي طير عمره ما دفع إيجار شقة.
توقف الباشا جنب البيانو القديم. وعينيه استقرت على إيدين أمل.
“إيه اللي بايظ فيه؟”
وقفت أمل بسرعة لدرجة إن الكرسي اشتكى وصوت. “حاجات كتير يا باشا.”
“قولي خمسة.”
الأوضة كلها سحبت نفسها وأخدت نفس.
أمل نسيت الخوف. الأسئلة عن آلات المزيكا بتعمل فيها كده دايماً.
“شاكوش نغمة السي الوسطانية بيمسك ويحشر. وسلكين باص محتاجين يرتدوا وينشدوا. والبدال الشمال كسلان ومريح. والكرسي ده إهانة لأي حد يقعد عليه. وفيه حد حاشر ورقة برنامج بدل حتة الخشب تحت الرجل.”
شفة الباشا اتحركت. يمكن كانت ابتسامة.
“خمسة بس. أنتِ طلبتِ خمسة.”
همسة مشيت في الأوضة. الباشا أدار رأسه، فالهمسة ماتت فوراً.
بص تاني لأمل: “وإيه اللي صح وشغال فيه؟”
لمست المفتاح المكسور: “لسة عايز يرد ويتكلم.”
تعبير وش الباشا اتغير. مش كتير—بس كفاية.
قال: “المعلم طارق.”
ظهر رئيس الخدم كأنه اتسحب بشريطة: “أفندم يا باشا.”
“الآنسة هتظبط البيانو القديم ده. وتاخد أجرها زي أي صنايعي محترف.”
طارق وطى رسه: “حاضر يا باشا.”
“وضاعف لها الأجر مرتين. عشان الناس كلها كانت قتيلة الذوق ومتربية على قلة الأدب.”
أمل برقت. وطارق طرف بعينيه.
“الكل يا باشا؟”
“كل واحد ضحك. ولو الحسابات طلعت صعبة، ابدأ بالحاجة فريدة.”
الأوضة اتجمدت.
ما كانش ينفع أمل تنبسط بكده، بس انبسطت على أي حال.
ريش الحاجة فريدة اتهز تاني: “يا باشا، معقولة يعني تشغل فتاة عملت من نفسها أضحوكة ونمرة—”
الباشا بص لها ساعتها: “يا هانم، دي صالة مزيكا. وقالوا لي إن الصوت حاجة متوقعة هنا.”
أمل عضت خدها من جوة عشان ما تضحكش.
الباشا بص للصالة كلها: “الحفلة بتاعة بعد الظهر هتبدأ كمان ساعة. والبيانو الكبير بتاع الهانم الثانية هو اللي هيتعزف عليه. أما البيانو ده فيفضل زي ما هو في مكانه.”
سكت شوية.
“من غير ما يستخبى.”
الساتر اللي كان مداري البيانو القديم اتفش واشال في أقل من ثلاث دقائق. أمل راقبت اتنين خدامين وهم شايليين الساتر وماشيين بيه. البيانو القديم المسكين كان باين عليه المحرج من كثر الاهتمام ده.
وهي كانت فاهمة الشعور ده كويس.
الباشا هز رأسه لها: “يا آنسة.”
“يا باشا.”
“حاولي ما تخليش البيانو يكسبك.”
“البيانو بيكسب دايماً.”
عينيه دفيت شوية: “إذن خليه يفتكر إن المكسب ده كان فكرتك أنتِ.”
ومشى بعيد قبل ما تلحق ترُد.
وده كان ذكاء منه، لأن إجابات أمل كانت بتبقى طايشة وما فيهاش فرامل لما الموضوع يتعلق بالبيانو.
#حكايات_شروق_خالدفاتت ساعة بالتمام والكمال.
الأوضة كانت زاطت بالناس والحرير والريش، والمزيكا الكبيرة بدأت على البيانو الأسود الضخم اللي مش متعود على شقا. العازف الأجنبي اللي جابوه مخصوص كان نازل إيدين ورجلين على المفاتيح، المقطوعة كانت معقدة وفخمة وشغالة زي الساعة، بس أمل وهي قاعدة في ركن ورا البيانو المربع القديم ومعاها صندوق العدة، كانت حاسة إن المزيكا دي مالهاش روح… مزيكا متفصلة للمنظرة، مش طالعة من القلب.
الباشا شريف كان قاعد في الشرفة الجانبية بنفس مسكته للعصاية الفضة، مش باصص للعازف، عينيه كانت معلقة على البيانو المربع القديم وعلى أمل اللي بدأت تفك الشواكيش بالراحة وتظبط السلك.
وفجأة، وفي نص الحفلة، البيانو الضخم الأسود عمل صوت نشاز حاد وقطع اللحن… سلك من السلوك التقيلة فرقع وصوته ارتد في الصالة زي ضربة خرطوش!
العازف الأجنبي رفع إيديه في الهواء وهو مبهور ومخضوض، والضيوف شهقوا، والحاجة فريدة حطت إيدها على صدرها وهي بتصوت بصوت واطي.
ساد سكون مرعب في الصالة. رئيس الخدم “طارق” جرى وهو عرقان وشبه هيموت من الخوف: “يا باشا… السلك الأساسي في البيانو الكبير اتقطع… الحفلة كده باظت!”
الباشا شريف ما اتحركش من مكانه. بص لطارق وقال بصوت هادي سمع الصالة كلها: “الحفلة ماباظتش… البيانو التاني جاهز.”
الحاجة فريدة اتكلمت بحدة: “يا باشا! عزف أجنبي فخم زي ده يعزف على الحتة الخشب المكسورة دي؟ ده بيانو بلدي ومصدي!”
الباشا ما ردش عليها، وبص لأمل من فوق الشرفة وقال: “يا آنسة أمل… جاهز؟”
أمل لمست المفتاح المكسور اللي ظبطته في الساعة اللي فاتت، ورفعت رأسها وقالت بثبات: “جاهز يا باشا… ومستني اللي يعرف يكلمه.”
العازف الأجنبي قرب من البيانو المربع القديم وهو قرفان وبيهز رأسه، حط إيديه على المفاتيح وبدأ يعزف نفس المقطوعة المعقدة… بس البيانو رفضه! الصوت كان ناشف وطالع بصعوبة، لأن البيانو ده ما بيفهمش العزف المترتب بالمسطرة، عايز حد حاسس بيه وبشتاه.
العازف قام وهو زعلان وقيل: “الآلة دي ميتة، ما تطلعش مزيكا!”
أمل ما مسكتش نفسها. قربت من البيانو وقالت: “هو مش ميت… هو بس مش بيحب الكدب.”
الباشا شريف ابتسم ابتسامة خفيفة ظهرت لأول مرة على وشه، وقال: “إذن اسمعينا أنتِ كيف بيتكلم.”
أمل قعدت على الكرسي المايل، بس المرة دي ما عزفتش لحن السوق البسيط ولا عزفت مقطوعة فخمة… عزفت لحن مصري أصيل، طالع من وسط الحارة ومن دقات الشواكيش في ورشة أبوها، لحن فيه شقا وحزن بس فيه عزيمة وشموخ.
صوت البيانو القديم ملأ الصالة كلها… الصوت كان دافي، عميق، وبيوصل لكل قلب قاعد. المفاتيح الصفراء اللي كانت بتعلق بقت بتجري تحت صوابعها زي المية.
الناس اللي كانت بتتآمر وبتتريق نسيت العصير والحرير، والستات نزلوا المروح اليدوية، وحتى الحاجة فريدة وقفت مبهورة ومفيش كلمة طالعة من بقها.
لما أمل خلصت النغمة الأخيرة، السكون فضلت مسيطر على المكان لثواني… وبعدين الباشا شريف وقف على عصايته، وصقف بثبات. وبعددها الصالة كلها انفجرت بالتصقيف.
الباشا نزل من الشرفة ومشاش لحد ما وقف قدام أمل، وبص لطارق رئيس الخدم وقال: “من النهاردة… الآنسة أمل هي المسؤولة الأولى عن كل آلات المزيكا في الفيلة وفي كل قصوري، بأجر رئيس المباشرين.”
وبص للحاجة فريدة وقال بصوت حاسم: “والبيانو ده يفضل في نص الصالة… عشان يفكر كل واحد يدخل هنا إن القيمة مش في اللمعة والحرير، القيمة في الروح اللي جوة.”
أمل لمست خشب البيانو القديم، وابتسمت وهي عارفة إن أبوها في الورشة هيبقى فخور بيها… لأنها ما خلتش البيانو يكسبها، دي خلت البيانو يكسب احترام الكل.
#حكايات_شروق_خالد



