روايات وقصص

سر الوحمة ج1.#حكايات_شروق_خالد

خدودها البمبي..

مناخيرها الصغنطوطة..

عينيها المقفولة..

نفسها المنتظم..

مفيش أي حاجة غريبة ولا غلط!

“دي بنتك يا طارق!”

رجع لورا بخطوات مكسورة ونزل قعد على الكرسي اللي جنب السرير.

فضل كام ثانية حاطط وشّه بين إيديه ومخبيه.

بعدين سمعته بيلعثم وبيهمس:

“في حاجة كان المفروض أقولهالك من سنين..”

بصيتله بذهول:

“انت بتتكلم عن إيه؟”

مرضش عليا.

“طارق! انطق!”

أخيراً نزل إيديه من على وشّه:

“أنا كنت خايف..”

“خايف من إيه؟”

عينيه رجعت تروح لليلى تاني:

“أقنعت نفسي إني اقدر أسيب كل ده في الماضي وأنساه.”

ضربات قلبي بدأت تزيد وتبقى سريعة جدًا:

“تسيب إيه في الماضي؟”

بلع ريقه بصعوبة:

“بس دلوقتي بعد ما شفتها..”

صوته اتكسر:

“مش هقدر أخبي أكتر من كده.”

شعور بارد ورعب سكن في بطني:

“انت كنت مخبي عليا إيه طول الفترة دي؟”

طارق فتح بؤه عشان يتكلم..

وقبل ما ينطق بكلمة، باب أوضة المستشفى اتفتح فجأة.

بصيت ناحية الباب.

كان فيه حد واقف على العتبة.

في الأول مكنتش فاهمة إيه وجه الأهمية في وجود الشخص ده.

بعدين بصيت لطارق..

كل نقطة دم في وشه اختفت.

جسمه اتخشب تاني خالص.

والشخص اللي واقف على الباب كان باصص عليه هو بالذات.

مش عليا..

ولا على ليلى..

كان باصص لطارق.

في اللحظة دي كل حاجة اتغيرت وفهمت.

مهما كان الشيء اللي خض جوزي لما بص لبنتنا.. الموضوع مكنش إن ليلى بنته ولا لأ..

هو شاف فيها حاجة.. أمارة أو شبه..

حاجة مربوطة بالشخص اللي لسه داخل الأوضة دلوقتي.

حاجة تخص فصل كامل من حياة طارق.. فصل عاشه قبل ما يعرفني بزمان.

حضنت ليلى بقوة وضميتها ليا.

“طارق..” همست بصوت واطي ومذعور: “مين ده؟”

مقالش ولا كلمة.

الغريب خد خطوة بطيئة لجوة الأوضة.

وطارق بصلي أخيرًا والدموع مغرقة عينيه.

نظرة وشه قالتلي الحقيقة قبل ما ينطق بكلمة واحدة ثانية.

أربع سنين.. وأنا فاكرة إني عارفة الراجل اللي اتجوزته كويس.

بس طارق كان شايل سر من ماضيه طول الوقت ده كله.

وبطريقة ما.. بنتنا اللي لسه مولودة حالاً، رجعت السر ده يظهر في حياتنا تاني.

الراجل اللي كان واقف على باب الأوضة خد خطوة كمان لجوة، وكان لابس بدلة سمرا وشكله جاد جداً، بس عينيه كلها عتاب ووجع وهو باصص لطارق.

طارق صوته طلع بالعافية وهو بيرعش: “سليم؟”

سليم قرب شوية وبص لليلى اللي نايمة في حضني، وبانت على وشه ابتسامة مكسورة، وقال بصوت واطي: “سبحان الله.. نفس الوحمة اللي كانت عند أختك ‘نور’ الله يرحمها.. نفس المكان تحت أذنها الشمال بالظبط.”

أنا اتسمرت مكاني وبصيت لطارق وأنا مش فاهمة حاجة.. طارق طول الأربع سنين اللي اتجوزنا فيها كان قايلي إن ملوش أي إخوات وإنه مقطوع من شجرة!

طارق حط إيده على وشه وبدأ يعيط بالصوت الحياني، وسليم بدأ يحكيلي الحقيقة اللي طارق خبّاها عني طول السنين دي.

طارق كان له أخت توأم اسمها “نور”. وقبل ما نتعرف على بعض بسنة، نور أصيبت بمرض نادر وكانت محتاجة علاج غالي جداً بره مصر. طارق ساعتها اتداين واستلف فلوس من كل الناس ومنهم سليم اللي كان خطيب أخته وأقرب صحابه، بس للأسف نور اتوفت قبل ما تسافر.

طارق من كتر الصدمة والذنب والديون اللي تراكمت عليه، مفيش قدر يستحمل الواقع.. هرب من منطقته ومن كل معارفه، وغير حياته تماماً، وأقنع نفسه إنه يمسح الماضي ويستخبى ورا حياة جديدة معايا، وقفل الصفحة دي تماماً عشان ينسى الألم وخوفه من الديون.

الوحمة اللي اتولدت بيها ليلى كانت أمارة سبحان الله كأنها نادته من الماضي، وسليم كان بقاله سنين بيدور على طارق مش عشان الفلوس، لكن عشان يوصل لسر أخته وينفذ وصيتها اللي سابتها في جواب قبل ما تموت.

سليم طلع الجواب من جيبه وإداه لطارق، وقال له: “نور سابتلك الرسالة دي وقالتلي أديها لك لما ألاقيك.. كانت مسامحاك على هروبك، وكان نفسها تعيش حياتك وتفرح.”

اللحظة دي كانت نقطة تحول كبيرة. طارق اتواجه مع ماضيه لأول مرة، وعيط كأنه بيغسل سنين من الذنب والتعب. وأنا رغم صدمتي في الأول إنه خبا عليا، حسيت بوجعه وشيلته.

مع الوقت، وبمساعدتي، طارق بدأ يرتب ديونه مع الناس ويرجع علاقته بسليم اللي بقى زي أخوه من تاني. ولما ليلى كبرت وشافت الحب والأمان حواليها، عرفت إن سر ماضي جوزي مكنش كابوس.. كان مجرد باب مقفول فتحته ليلى عشان ربنا يعوضنا جميعاً وينضف قلوبنا من الخوف.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى