
زق الظرف البني ناحيتي. بصيت للظرف وسألته: “إيه ده؟”
“ده حق دمك.. وحق علاج حسن أخوكي للآخر، وحساب سيد بائع الشاي، وشقة جديدة ليكي ولأخوكي بعيد عن الحارة وشغل المطاعم اللي بيهلك صحتك.”
قلبي دق بسرعة.. العرض كان يحل كل أزمات حياتي في ثانية، بس أنا تربيت إني ما أخدش أجر على واجب.
رديت بثبات وهزيت رأسي بالرفض: “أنا مش ببيع دمي يا معلم.. ولا أنقذت روح عشان أقبض التمن. حسن أخويا أنا كفيلة بيه، والفلوس دي أنا مش هقبلها.”
الصالون سكت تماماً. الرجالة اللي واقفين ورا إبراهيم تبادلوا نظرات صدمة.. محدش في البلد كلها بيقول للمعلم إبراهيم “لا” أو يرفض ظرف مقفول منه.
إبراهيم سكت لحظات، عينيه اتوسعت بدهشة وتحدي، وبعدين رجع لورا على الكرسي وضحت ضحكة بصوت واطي طلع من أعماقه.
“أنا قلت برضه.. الدم اللي يجري في عروقي مش ممكن يطلع بتاع حد عادي.”
قرب بجسمه القدام ونظرة عينيه اتغيرت تماماً لجدية مرعبة: “ماشي يا نور.. مش هتاخدي فلوس. بس من اللحظة دي، إنتي وأخوكي تحت حمايتي. وال حماية عند إبراهيم العقاد مش اختيار.. دي أمر.”
وفجأة، الباب اتفتح بعنف، ودخل سيد درعه اليمين ووشه مشطوف من الخوف: “يا معلم! رجالة النجعاوي عرفوا إنك قمت.. وضربوا نار على المخزن الكبير في المينا!”
إبراهيم وقف على حيله، وجرحه شد عليه فأتأوه بألم خفيف، وعينيه أتحولت لجمر نار. بصلي وقال بصوت آمر: “سيد.. خد نور وحسن أخوها على البيت الكبير في التجمع. من الليلة دي، النجعاوي هيقلب البلد عشان يوصل لأي نقطة ضعف ليا.. ونور بقت خط أحمر.”
قبل ما ألحق أعترض أو أقول كلمة واحدة، المعلم إبراهيم كان بيلبس الجاكيت الأسود بتاعه بسرعة رغم الوجع اللي باين على وشه، وشد طبنجة من على الترابيزة وحطها في حزامه.
سيد درعه اليمين مسك دراعي بلهجة فيها حسم مش بيتناقش: “يلا يا أنسة نور.. مفيش وقت للكلام، الشارع بره مش أمان!”
خرجنا بيجروا من الباب الخلفي للمبنى، والصوت بره كان بدأ يتحول لصوت سرينات وسيارات بتفرمل بعنف بعيد. سحبوني على عربية ثانية سودا متصفحة، وسيد طلع تليفونه وضرب رقم بسرعة أول ما قفل الباب: “اسمعني يا بني.. اطلع على بيت نور فوراً، هات أخوها حسن بالهدوم اللي عليه وهاتوه على الشالية الكبير في التجمع! متحركوش طوبة من مكانها، ومحدش يلمحكم!”
قلبي كان بيتقطع على حسن، صرخت في سيد: “أخويا حسن لوحده في البيت وصحته على قدها! لو جرى له حاجة بسبابكم مش هسامحكم!”
سيد بصلي في المراية بنظرة ثابته وقالية: “حسن أخوكي في حماية العقاد يا أنسة.. شعرة واحدة مش هتتمس منه. بس لو النجعاوي عرف إن دمه هو اللي صحى المعلم، كان هيستغلكم ورقة ضغط يكسر بيها إبراهيم باشا. إحنا كده بنحميكي أنت وهو.”
العربية طارت بينا في الشوارع، وكل ما الوقت يعدي كانت الدقات في صدري بتزيد. بعد حوالي ساعة، وصلنا لكمبوند مقفول في التجمع الخامس، ودخلنا في فيلا ضخمة زي القلاع، كلها حراسة ونور أبيض طالع من الشبابيك.
أول ما باب الفيلا اتفتح، لقيت حسن أخويا قاعد على الكنبة في الصالون، ماسك علبة الدوا بتاعته وفي وشه علامات الذهول والخوف، وجنبه اتنين من رجالة إبراهيم.
“حسن!”
جريت عليه وحضنته بكل قوتي، وهو مسك فيا وهو بيترعش: “نور! إيه اللي بيحصل؟ الناس دول جابوني من البيت وقالوا لي إنك معاهم وإني لازم أجي بسرعة.. إنتي كويسة؟”
مسحت على راسه وطمنته: “أنا كويسة يا حبيبي.. متخافش، أزمه وهتعدي.”
عدت أربع ساعات كأنها أربع سنين.. الفجر طلع والشمس بدأت تشرق، وأنا جالس على ناري مش عارفة إبراهيم جرى له إيه ولا حرب المينا دي رست على إيه.
وفجأة، الباب الضخم اتفتح.
دخل إبراهيم العقاد.. قميصه كان متغرق دم جديد من جرحه اللي اتفتح تاني في الضرب، ووشه مهلك، بس عينيه كانت مليانة نصر وشموخ. بص في الصالون، وأول ما شافني أنا وحسن بخير، ملامحه هديت شوية.
رمى مفاتيح على الترابيزة وقعد بصعوبة على أقرب كرسي.
سيد قرب منه بلهفة: “عملت إيه يا معلم؟”
إبراهيم بص لسيد بصوت هادي زي الهدوء اللي قبل العاصفة: “النجعاوي ومخازنه بقوا رماد يا سيد.. المينا اتنظفت خلاص.”
وبعدين التفت لي، وبص في عيني بنظرة عميقة ومربكة وقال: “دلوقتي بس أقدر أقولك إنك في أمان يا نور.. بس المينا خلاص نسيت اسم النجعاوي، وبقت تسأل مين هي الست اللي المعلم إبراهيم حرق البلد عشان يحميها.”
#حكايات_شروق_خالد




