منوعات

وقعت بالزيت المغلي… ففتحت خزنة أبويا حكايات شروق خالد

«طلب منك إيه؟!»

مريم قامت.

«إنّي أحميكي.»

«تحميني من مين؟»

بصت ناحية الباب، واتأكدت إنه مقفول.

وبعدين قالت:

«من عمك أحمد.»

سكت.

مريم فتحت شنطتها وطلعت ملف قديم.

حطته قدامي.

«اقري.»

فتحت أول ورقة.

كانت صورة من محضر قديم.

تاريخ قبل وفاة أبويا بسنتين.

وتحت اسم المتهمين…

كان اسم عمي.

قريت بصوت مرتعش:

«أحمد فؤاد… متهم في قضية اختلاس وتزوير وغسيل أموال.»

رفعت عيني.

«إزاي؟»

قالت:

«أبوكي اكتشف إن أخوه بيستخدم شركات العيلة لغسيل فلوس. ولما حاول يواجهه، عمك هدد إنه هيأذيك.»

«بس أنا كنت طفلة.»

«وعشان كده أبوكي خبّى كل الأدلة.»

قلبت الورقة.

لقيت صورة تانية.

أنا صغيرة.

واقفة جنب أبويا قدام بيت قديم.

وعلى ظهر الصورة مكتوب:

«آخر مكان آمن لبنتي.»

بصيت لمريم.

«المكان ده فين؟»

قالت:

«الفيلا القديمة بتاعة جدك.»

اتخضيت.

«الفيلا اللي في المنصورية؟»

هزت راسها.

«أيوه.»

قلت:

«بس البيت اتباع.»

ابتسمت.

«لا.»

سكت.

«البيت ما اتباعش.»

قلبي بدأ يدق.

مريم قالت:

«أبوكي سجله باسم شركة وهمية، والشركة دي ملكها الحقيقي ليكي.»

فضلت باصة لها.

«طيب ليه ما قاليش؟»

قالت:

«لأنه كان عارف إن اللي حواليه مش كلهم أمينين.»

وفجأة…

سمعنا صوت خبطة جامدة على باب المكتب.

أنا ومريم بصينا لبعض.

خبطة تانية.

أقوى.

مريم همست:

«محدش يعرف إننا هنا.»

قربت من الباب.

«مين؟»

جاء صوت راجل من بره:

«افتحي يا أستاذة… أنا جاي من طرف عمك.»

رجعت خطوة.

مريم مسكت إيدي.

«ما تفتحيش.»

الصوت رجع:

«إحنا عارفين إنك لقيتي الملف.»

قلبي وقع.

قلت:

«إنتوا عايزين إيه؟»

ضحكة باردة جات من ورا الباب.

«الحقيقة.»

مريم بصت لي.

وقالت:

«لا… دول مش عايزين الحقيقة.»

«أمال عايزين إيه؟»

قالت:

«عايزين الحاجة اللي أبوكي خبّاها.»

فجأة سمعت صوت تكسير.

الباب بدأ يهتز.

مريم سحبتني ناحية باب الطوارئ.

جرينا.

لكن قبل ما نخرج، سمعت الراجل بيصرخ:

«خدي بالك يا بنت فؤاد! إحنا مش أحمد جوزك… إحنا الناس اللي أحمد نفسه كان بيخاف منهم!»

خرجنا من الباب الخلفي.

ركبنا العربية.

ومريم قادت بأقصى سرعة.

بعد عشر دقايق، سألتها:

«إحنا رايحين فين؟»

قالت:

«الفيلا القديمة.»

«دلوقتي؟»

«أيوه. قبل ما يوصلوا لها.»

وصلنا بعد منتصف الليل.

البيت كان مهجور.

تراب على الأرض، شبابيك مكسورة، وباب حديد صدّي.

دخلنا.

كنت ماشية وأنا ماسكة كشاف الموبايل.

وفجأة وقفت.

على الحيطة قدامي كانت صورة أبويا.

تحتيها جملة محفورة في الخشب:

«لو بنتي وصلت هنا… يبقى أنا ما قدرتش أحميها.»

دموعي نزلت.

مريم قربت مني.

لكن قبل ما تتكلم، سمعت صوت حركة فوقينا.

رفعت الكشاف.

السلم كان فاضي.

وبعدين…

ظهر ظل راجل في الدور التاني.

مريم مسكت دراعي.

الراجل قال:

«اتأخرتي يا بنت أخويا.»

جسمي كله اتجمد.

الصوت كان مألوف.

نزل درجة.

وبعدين درجة تانية.

لحد ما ظهر وشه في النور.

شعر أبيض.

عينين باردة.

وابتسامة خلت الدم يهرب من وشي.

قلت:

«عمي…»

ابتسم.

«وحشتيني يا بنت أخويا.»

مريم وقفت قدامي.

«ابعد عنها.»

بص لها وضحك.

«إنتِ لسه بتحميها؟»

وبعدين بص لي وقال:

«بس للأسف… أبوكي ما قالكيش أهم حاجة.»

قلت:

«إيه؟»

قرب مني.

«إن أمك كانت عارفة كل حاجة.»

سكتُّ.

لأن أمي…

كانت ماتت وأنا عندي سبع سنين.

عمي ابتسم وقال:

«وأبوك هو اللي خلاها .»

حكايات شروق خالد

بصيت لعمي وأنا مش قادرة أتكلم.

«إنت بتكدب.»

ضحك.

«كنت عارف إنك هتقولي كده.»

مريم وقفت قدامي وقالت:

«ما تسمعيش له.»

عمي رد عليها:

«إنتِ عارفة الحقيقة كويس يا دكتورة.»

وبعدين طلع ظرف قديم من جيبه ورماه قدامي.

وقعت عيني على اسم أمي.

إيدي بدأت ترتعش.

فتحت الظرف.

كان فيه تقرير قديم من المستشفى.

وتحته شهادة وفاة.

وبين الورق لقيت رسالة بخط أمي.

قريتها وأنا بعيط:

«بنتي، لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أنا ما قدرتش أقولك الحقيقة وأنا عايشة. أبوكي مش السبب في . هو حاول يحميني ويحميكي من أحمد أخوه، لكني اكتشفت إن أحمد كان . ولو حصل لي حاجة، أوعي تثقي فيه.»

رفعت عيني لعمي.

«إنت أمي.»

وشه ما اتحركش.

قال:

«أمك كانت .»

مريم قالت:

«والنهارده دورك ينتهي.»

عمي ضحك.

«إنتِ فاكرة إنكوا كده كسبتوا؟»

في اللحظة دي، أنوار عربيات الشرطة ظهرت من الشبابيك.

عمي اتجمد.

أنا بصيت لمريم.

ابتسمت.

قالت:

«المكالمة اللي حصلت بينكم كانت مسجلة.»

عمي صرخ:

«إنتِ عملتي إيه؟!»

قلت:

«عملت اللي بابا علّمني أعمله.»

«إيه؟»

«أسيب اللي قدامي يتكلم لحد ما يفضح نفسه بنفسه.»

دخلت الشرطة.

عمي حاول يهرب، لكنهم قبضوا عليه قبل ما يوصل للباب.

وفي التحقيقات، اتكشف كل شيء.

عمي كان وراء شبكة كبيرة لغسيل الأموال والتزوير.

وأحمد جوزي كان مجرد واحد من الأشخاص اللي معاه.

أما سميحة…

فاتضح إنها كانت تعرف جزء كبير من الخطة، وكانت عليّ عشان أتنازل عن الميراث.

اللي حصلت لي بالزيت ما كانتش غضب عشوائي.

كانت محاولة أخيرة لإجباري على السكوت.

لكنهم ما عرفوش إنهم اختاروا الشخص الغلط.

بعد سنة كاملة، كنت واقفة قدام قبر أبويا وأمي.

الجو كان هادي.

حطيت وردة على قبر أمي وقلت:

«سامحتك يا أمي… عشان عرفت الحقيقة.»

وبعدين بصيت لقبر أبويا.

«وإنت كمان يا بابا.»

مريم وقفت جنبي.

قالت:

«أخيرا خلصت.»

ابتسمت.

«لا.»

بصت لي باستغراب.

قلت:

«ابتدت.»

رجعت لمكتبي.

علقت صورة أبويا على الحيطة.

وتحتها كتبت جملة واحدة:

«الحق ممكن يتأخر… لكنه عمره ما .»

ومن يومها، بقيت أشتغل في قضايا الستات اللي اتظلموا وسكتوا خوفًا.

كل واحدة كانت تدخل مكتبي وهي مكسورة، كنت ببصلها وأقول:

«ما تستنيش حد ينقذك.»

«ابدئي بنفسك.»

أما أحمد…

فبعد سنين من ، بعت لي جواب.

كان بيقول:

«أنا خسرت كل حاجة بسببك.»

قريت الجملة وضحكت.

وكتبت له رد واحد:

«لأ يا أحمد… إنت خسرت كل حاجة بسبب اختياراتك.»

ومزقت الجواب.

لأول مرة من سنين، رجعت بيتي لوحدي.

فتحت باب المطبخ.

وقفت في نفس المكان اللي وقعت فيه يوم الحريق.

بصيت للأرض.

كنت فاكرة إن المكان ده هيفضل طول عمري مرتبط بالألم.

لكن المرة دي…

ما شفتش الست اللي وقعت.

شفت الست اللي قامت.

وقلت لنفسي:

«أنا نجيت.»

قفلت باب المطبخ.

ومشيت.

لأن بعض الأبواب لازم تتقفل…

مش عشان نهرب من الماضي.

لكن عشان نقدر نبدأ الحياة من جديد.

النهاية.

«وقعت بالزيت المغلي… ففتحت خزنة أبويا
حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى