
ثم نظر إلى ابنه.
«ومن يومها وهو بيعيط.»
قلت:
«وده السبب إنك ما نمتش من ست ساعات؟»
ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح.
«أنا ما نمتش من تلات أيام.»
نظرت إلى الرجل الذي يخشاه الجميع.
ولأول مرة لم أرَ زعيمًا.
رأيت أبًا فقد زوجته، وأصبح فجأة مسؤولًا عن طفل صغير لا يعرف كيف يحمله.
مددت يدي وعدلت الغطاء حول ياسين.
«أنت مش محتاج تخوفه عشان يسكت.»
نظر لي.
«أعمل إيه إذن؟»
«طمنه.»
«إزاي؟»
«كلمه.»
«أنا؟»
«أيوه، إنت أبوه.»
بدا الأمر كأنني طلبت منه أن يواجه جيشًا كاملًا.
«أقول له إيه؟»
ابتسمت.
«أي حاجة.»
تردد.
ثم اقترب من ابنه.
ووضع إصبعه بحذر في كفه الصغيرة.
«أنا هنا.»
لم يتحرك ياسين.
فارس ابتلع ريقه.
«مش هسيبك.»
لأول مرة، سمعت الخوف الحقيقي في صوته.
ثم حدث شيء لم أتوقعه.
أصابع ياسين الصغيرة انغلقت حول إصبع أبيه.
فارس تجمد.
نظرت إليه.
لم يقل شيئًا.
لكن عينيه امتلأتا بالدموع.
أدار وجهه ناحية النافذة بسرعة.
وكأنه يخجل أن يراه أحد.
وصلنا المستشفى.
انفتحت الأبواب قبل أن تتوقف السيارة بالكامل.
ركض الأطباء نحونا.
«الطفل عنده كام يوم؟»
«تلاتة أيام؟» سألت فارس.
قال:
«أسبوعين.»
سلّمت ياسين للطبيب.
لكن قبل أن يبتعدوا به، قبضت يد صغيرة على إصبعي.
توقفت.
حاولت الممرضة سحب يده.
لكنه تشبث بي.
نظرت إلى فارس.
ثم إلى الطبيب.
قال الطبيب:
«خليها معانا.»
دخلنا الطوارئ.
الأطباء بدأوا يفحصونه بسرعة.
أجهزة.
أكسجين.
تحاليل.
أسئلة.
وفارس واقف خلف الزجاج، لا يتحرك.
بعد دقائق، خرج الطبيب.
«هو عنده مشكلة في التنفس، لكن وصل في الوقت المناسب.»
فارس أغلق عينيه.
أما أنا فشعرت أن ساقي لم تعد تحملني.
سندت نفسي على الحائط.
الطبيب نظر لي.
«إنتِ أمه؟»
هززت رأسي.
«لا.»
فارس التفت ناحيتي.
«هي اللي أنقذته.»
نظرت له باستغراب.
لكنه لم يبتسم.
كان جادًا تمامًا.
ثم اقترب مني.
«إيه اسمك؟»
«مريم.»
«مريم إيه؟»
ترددت.
«مريم عبدالسلام.»
كرر اسمي وكأنه يحفظه.
«مريم عبدالسلام.»
ثم أضاف:
«من النهارده، إنتِ مش مجرد عاملة في مطعمي.»
قطبت حاجبي.
«يعني إيه؟»
اقترب أكثر وقال:
«يعني اللي حصل الليلة دي مش هينتهي هنا.»
نظرت إليه بحذر.
«أنا مش عايزة فلوس.»
«أنا ما عرضتش فلوس.»
«أمال عايز إيه؟»
صمت لحظة.
ثم نظر إلى باب الطوارئ خلفي.
«عايز أعرف ليه ابني وثق فيكي من أول ما شافك.»
لم أعرف بماذا أجيب.
لكن قبل أن أتكلم، خرجت ممرضة وهي تحمل ملفًا.
كانت ملامحها متوترة.
«مستر فارس… الدكتور عايز يكلمك.»
«ليه؟»
نظرت إليّ الممرضة.
ثم إلى فارس.
«التحاليل ظهرت.»
اقترب فارس منها.
«قولِي.»
ابتلعت ريقها.
«الدكتور اكتشف حاجة غريبة جدًا.»
«إيه؟»
رفعت الممرضة عينيها نحوي.
«الطفل مش عنده مغص بس.»
سأل فارس:
«أمال عنده إيه؟»
قالت بصوت منخفض:
«فيه مادة في جسمه… والدكتور شاكك إن حد حطها له عمدًا.»
ساد الصمت.
نظرت إلى فارس.
وفي اللحظة نفسها، تغير وجهه بالكامل.
الغضب الذي رأيته في المطعم عاد.
لكن هذه المرة كان أخطر.
التفت إلى رجاله.
«اقفلوا المستشفى.»
ثم نظر إليّ.
«ولا حد يدخل أو يخرج.»
وقبل أن أفهم ماذا يحدث، سمعنا صرخة من داخل غرفة ياسين.
صرخة قصيرة.
ثم سمعنا جهاز المراقبة يصدر إنذارًا متواصلًا.
فارس اندفع نحو الباب.
أما أنا، فلم أتحرك.
لأنني فجأة تذكرت شيئًا.
الشخص الوحيد الذي لمس زجاجة ياسين قبل أن يبدأ بالصراخ… لم يكن فارس.
كان واحدًا من رجاله.
والأسوأ من ذلك…
كنت أعرف وجهه.
حكايات شروق خالد
تجمدت في مكاني وأنا أحاول أفتكر.
الرجل اللي لمس زجاجة ياسين…
كان واقف جنب السرير في المطعم.
طويل، أصلع من الأمام، وعنده ندبة صغيرة فوق حاجبه الأيسر.
وأنا متأكدة إني شفته وهو بيبدّل الزجاجة.
رفعت صوتي:
«فارس!»
وقف قبل ما يدخل غرفة ياسين.
«إيه؟»
«ما تدخلش لوحدك.»
رجاله بصوا لي باستغراب.
قلت بسرعة:
«أنا شفت واحد من رجالتك بيلمس زجاجة اللبن قبل ما حالة ياسين تسوء.»
الهدوء اللي نزل على المكان كان أخطر من أي صرخة.
فارس لف ببطء.
«مين؟»
بصيت ناحية الرجال الواقفين خلفه.
واحد منهم كان اسمه رجب.
كان واقف ثابت، لكن عرق ظهر على جبينه.
وأول ما عيني قابلت عينه، بص بعيد.
أشرت إليه.
«هو.»
ثلاثة رجال اندفعوا نحوه.
رجب رجع خطوة.
«إنتِ بتتهميني؟»
قلت:
«أنا بقول اللي شفته.»
فارس اقترب منه.
«هات الزجاجة.»
رجب ما ردش.
«قلت هات الزجاجة.»
أخرجها من جيبه ببطء.
وكان واضح إنها مش زجاجة ياسين.
فارس أخذها، نظر إليها، ثم شمها.
«دي منين؟»
رجب قال:
«مش بتاعتي.»
فارس ضربه بظهر يده، فسقط على الكرسي.
«أنا سألتك سؤال.»
رجب مسح الدم من شفته.
«حد إداني إياها.»
«مين؟»
سكت.
فارس أمسكه من ياقة قميصه.
«مين؟»
قبل ما يرد، خرج الطبيب من غرفة ياسين.
«مستر فارس!»
فارس ترك رجب واندفع نحوه.
«ابني؟»
«حالته استقرت مؤقتًا.»
أغمض فارس عينيه.
«يعني إيه مؤقتًا؟»
«المادة اللي دخلت جسمه أثرت على تنفسه. قدرنا نسيطر عليها، لكن لازم نعرف بالضبط إيه اللي اتاخد.»
ثم نظر الطبيب إليّ.
«إنتِ مريم؟»
«أيوه.»
«الطفل هدي أول ما شلتيه. لو تقدري تفضلي معاه، ده هيساعدنا.»
فارس نظر إليّ.
«هتفضلي.»
لم تكن جملة سؤال.
دخلت الغرفة.
كان ياسين مستلقيًا تحت البطانية، أنبوب أكسجين صغير تحت أنفه، ووجهه شاحب.
قربت منه.
«أنا هنا يا حبيبي.»
فتحت أصابعي، فلف يده الصغيرة حول إصبعي.
لكنني شعرت بشيء غريب.
في معصمه كانت هناك علامة حمراء صغيرة.
رفعت يده بحذر.
«دكتور.»
اقترب الطبيب.
«إيه ده؟»
«مش عارفة.»
فحصها.
ثم تغير وجهه.
«دي مش من الإبرة.»
فارس سأل من خلفي:
«أمال من إيه؟»
الطبيب تردد.
«شكلها أثر حقنة.»
فارس لم يتحرك.
لكن صوته خرج باردًا جدًا.
«مين كان بيحقنه؟»
الطبيب هز رأسه.
«محدش.»
فارس نظر إليّ.
ثم إلى ابنه.



