روايات وقصص

حكايات شروق خالد ج3

طول الليل وأنا مش عارف أنام. مش بسبب اللي حصل مع رجالة سيد، لكن بسبب الكلام اللي قالته زينب عن جواب أمها. كانت قاعدة جنب المدفأة، لافة البطانية حوالين جسمها، وكل شوية تبص ناحية الشباك كأنها مستنية حد يظهر في الضلمة.

قربت منها وحطيت قدامها كباية شاي سخنة. قلت: «لسه خايفة؟» هزت راسها وقالت: «مش خايفة على نفسي يا صابر… أنا خايفة يكون عمّي عمل حاجة لأمي زي ما عمل في أبويا».بصيتلها باستغراب.«أبوك مـ,ـات بسبب إيه؟

» سكتت شوية، وبعدها قالت: «قالوا لي إنه في  وهو راجع من السوق، لكن قبل مـ,ـوته بيومين كان قاعد معايا، وفضل يوصيني إني أخبي المفتاح كويس. وقال لي بالحرف الواحد: لو حصلي حاجة، متثقيش في عمك سيد».حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد أرض.

قلت لها: «يبقى لازم نعرف الحقيقة».مع أول ضوء للنهار، جهزت الحصان، وحطيت البندقية على كتفي، وطلبت من زينب تلبس هدوم تقيلة. قبل ما نخرج، وقفت قدام مراية صغيرة كانت معلقة على الحيطة، وبصت لوشها المتشوه، وبعدها لفت الشال حواليه. قلتلها: «مش لازم تغطي وشك لو مش عايزة».

ردت بحزن: «أنا مش مستعدة أشوف نظرات الناس تاني».قلتلها: «براحتك، محدش هيجبرك على حاجة». وصلنا القرية بعد ساعتين، وكان أول مكان رحنا له بيت أبوها القديم. البيت كان ، بابه الخشب نص خلعة، والتراب مالي الحوش، وكأن الزمن وقف جواه من سنين.

زينب وقفت قدام الباب، وعينيها لمعت بالدموع. همست: «هنا كنت بلعب مع أبويا. .. وهنا أمي كانت بتقعد تستناني لما أرجع من المدرسة».دخلنا، وبدأنا نفتش عن المخزن اللي أبوها وصفه ليها. كان في آخر البيت، بابه متغطي بطبقة تراب سميكة.

زينب طلعت المفتاح النحاسي، وفتحنا الباب. المخزن كان مليان صناديق قديمة وأدوات زراعة . بدأنا نشيل الحاجات من فوق الأرض، لحد ما ظهرت بلاطة مختلفة عن باقي البلاط. جبت عتلة حديد ورفعتها . وتحتها ظهر صندوق حديد صغير، عليه قفل قديم. زينب قربت وهي .

طلعت المفتاح، ودخلته في القفل. الصندوق بصوت مكتوم. كان جواه مجموعة عقود أرض مختومة، ودفتر حسابات قديم، وظرف أصفر مكتوب عليه بخط واضح: «إلى ابنتي زينب… لما تكبري وتبقي في أمان».زينب مسكت الظرف، وفضلت تبص للاسم المكتوب عليه.

قالت بصوت : «ده خط أمي… أنا فاكرة خطها».فتحت الظرف بحذر، وبدأت تقرا. كانت الرسالة بتقول: «بنتي حبيبتي زينب…لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا معرفتش أكون جنبك وأحميكي زي ما كنت بتمنى. عايزة إن أمك ما سابتكيش بإرادتها، وإن اللي حصل يوم مكنش .

 

أبوك كان بيحاول يجمع الأدلة ضد سيد، وعرف إن أخوه مش لوحده، وإن فيه راجل كبير في البلد مشاركه في تزوير العقود. الراجل ده اسمه محمود الباشا. لو وصلتي للصندوق، خلي بالك من نفسك، لأن محمود مش هيسيبك تاخدي حقك بسهولة.

وفي آخر الرسالة هتلاقي عنوان المكان اللي ممكن تلاقيني فيه. بحبك يا بنتي، ومستنياكي من يوم ما اضطريت أبعد عنك».زينب فضلت تضم الرسالة لصدرها وتعيط. وأنا كنت واقف مش قادر أصدق اللي سمعته. لكن فجأة، سمعنا صوت تصفيق بطيء جاي من باب . لفينا بسرعة.

كان واقف راجل لابس جلابية غالية وعباية صوف، ومعاه أربعة رجالة مسلحين. ابتسم وقال: «برافو يا بنت عبدالسلام… أخيرًا عرفتي توصلي للصندوق».زينب رجعت لورا، وهمست: «محمود الباشا…» الراجل ابتسم وبصلي وقال: «وإنت بقى صابر الكريدلي؟ الراجل اللي فاكر نفسه بطل عشان دفع خمسين جنيه في بنت محدش ؟

ثبت عيني عليه وقلت: «إنت عايز إيه؟» رد وهو بيشاور على الصندوق: «عايز الورق والمفتاح والرسالة. ولو سلمتهم من غير مشاكل، ممكن أسيبكم تخرجوا من هنا على رجليكم».ضحكت وقلت: «واضح إنك مش عارف إنت بتكلم مين». ابتسامته اختفت، وأشار لرجالته.

لكن قبل ما أي حد يتحرك، زينب رفعت راسها وقالت بصوت قوي: «أنا مش هديك حاجة! دي أرض أبويا، والورق ده حقي!» محمود قرب منها وقال بسخرية: «إنتِ لسه فاكرة إن ليكي حق؟ أبوكي مـ,ـات، وأمك هربت، وعمك في السجن.

.. إنتِ لوحدك يا زينب». وبعدين مال عليها وهمس: «وبالمناسبة، أمك اللي بتدوري عليها… أنا عارف مكانها من سنين».زينب اتسمرت مكانها. صرخت: «إنت تعرف أمي فين؟!» ابتسم محمود ابتسامة باردة وقال: «أيوه… وكنت السبب في إنها تختفي كل السنين دي».

وقبل ما أقدر أرد عليه، أخرج من جيبه صورة قديمة وحطها قدام زينب. كانت صورة ست واقفة قدام بيت صغير، وفي حضنها طفلة. زينب مسكت الصورة، وأول ما شافت وش الست، شهقت وقالت: «دي أمي… دي أمي!

» لكن محمود قال الجملة اللي قلبت كل حاجة: «أمك مش بس عايشة يا زينب… أمك موجودة في البلد دي، وعلى بُعد خطوات من المكان اللي إحنا واقفين فيه».وبعدين بصلي وقال: «ولو عايز تعرف الحقيقة يا صابر، اسأل نفسك الأول.

.. إنت تعرف الست دي منين؟» يتبع…#حكايات_شروق_خالد#حصري فضلت باصص لمحمود الباشا وأنا بحاول أفهم هو يقصد إيه بكلامه. قلتله بغضب: «إنت بتلعب بأعصابي ليه؟ اتكلم واضح!» ابتسم وهو بيبص لزينب وقال: «الصورة دي مش غريبة عليك يا صابر؟

بص كويس في وش الست اللي فيها».خدت الصورة من إيد زينب وبصيت فيها. كانت ست في أواخر العشرينات، شعرها أسود طويل، وملامحها هادية، لكن عينيها كان فيهم حاجة مألوفة جدًا. وفجأة افتكرت. الست دي كانت واحدة قابلتها من حوالي عشرين سنة، في ليلة شتا قاسية، لما كنت لسه راجع من الجبل

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى