روايات وقصص

حكايات شروق خالد ج3

كانت ست في أواخر العشرينات، شعرها أسود طويل، وملامحها هادية، لكن عينيها كان فيهم حاجة مألوفة جدًا. وفجأة افتكرت. الست دي كانت واحدة قابلتها من حوالي عشرين سنة، في ليلة شتا ، لما كنت لسه راجع من الجبل ووشي .

لقيتها واقفة جنب الطريق، شايلة طفلة صغيرة وبتعيط. وقتها ساعدتها ووصلتها لبيت قريب، وبعدها اختفت من حياتي تمامًا. بصيت لمحمود وقلت: «إنت جبت الصورة دي منين؟» رد: «الست دي اسمها فاطمة… أم زينب. وهي كانت عايشة في بيت جنب أرض أبوها، وأنا اللي كنت موفر لها مكان تختفي فيه».

زينب قربت منه وهي بتسأله: «يعني إنت كنت عارف مكان أمي طول السنين دي؟ » قال: «أيوه، لكن كان لازم أتأكد إنك وصلتي للصندوق الأول».صرخت فيه: «إنت إنسان مريض! أنا فضلت سنين !» محمود مد إيده عشان ياخد الورق، لكني وقفت قدامه.

قلتله: «محدش هياخد حاجة من هنا».ضحك وقال: «إنت لسه فاكر إنك تقدر توقفني؟ أنا معايا رجالة، ومعايا فلوس، ومعايا ناس في كل مكان».رديت: «بس معندكش الحق».في اللحظة دي، واحد من رجالة محمود قرب مني ورفع عصاية حديد، لكني تفاديت ضـ,ـربته، ودفعت الترابيزة ناحيته.

حصلت فوضى كبيرة جوه المخزن. زينب استخبت ورا صندوق خشب، وأنا حاولت أمنع الرجالة من الوصول ليها. لكن محمود استغل انشغالي وخطف الظرف الأصفر من إيدها. صرخت زينب: «جواب أمي!» جريت وراه، لكنه خرج من بسرعة وركب حصانه.

قبل ما يهرب، لف وبصلي وقال: «لو عايز تشوف أم البنت دي، تعالى عند الطاحونة القديمة بعد المغرب… لوحدك!» وبعدها اختفى وسط الطريق الترابي. رجعت لزينب، لقيتها قاعدة على الأرض وبتعيط. قالت: «ضيع جواب أمي يا صابر… ضيع آخر حاجة كانت بيني وبينها».

ساعدتها تقف وقلت: «الجواب مش أهم من إننا عرفنا إنها عايشة. هنلاقيها، وهنرجع حقك».لكن زينب قالت فجأة: «فيه حاجة تانية يا صابر. .. أنا عارفة ليه محمود اختار الطاحونة».سألتها: «ليه؟» قالت: «عشان أبويا كان عنده مخزن سري تحت الطاحونة، وكان بيخبي فيه كل الأوراق اللي تثبت جرائم محمود وسيد».

فهمت ساعتها إن محمود مش عايز الورق اللي في الصندوق بس، ده عايز يتأكد إن مفيش دليل تاني يقدر يوديه في داهية. رجعنا البيت القديم، وأخدت معايا الصندوق والورق اللي قدرنا نحافظ عليه. وقبل المغرب، وصلنا للطاحونة القديمة. كانت  على أطراف القرية، حوالين منها شجر ، والهدوء مالي المكان.

نزلت من على الحصان وطلبت من زينب تفضل ورايا. لكنها رفضت. قالت: «أنا من الهروب يا صابر. المرة دي مش هستخبى».بصيتلها وقلت: «أنا مش طالب منك تهربي، أنا طالب منك تفضلي في أمان».دخلنا ، ولقينا محمود واقف في النص، ومعاه سيد أبو الدهب!

اتصدمت لما شفت سيد واقف قدامي، بعد ما كنت فاكره . ضحك سيد وقال: «وحشتك يا صابر؟» بصيتله بغضب: «إنت خرجت إزاي؟ » رد محمود: «إنت فاكر إن عندك سلطة في البلد دي؟ أنا اللي بحدد مين يدخل ومين يخرج».

زينب بصت لعمها وقالت: «إنت لسه مش كفاية عليك اللي عملته فيا؟» سيد قرب منها وقال: «أنا عملت كل ده عشان أحمي نفسي، وإنتِ اللي صعبتي الموضوع». : «أبويا كان بيحبك! إزاي قدرت بيته أرضه؟» سيد اتغيرت ملامحه، وبص لمحمود. محمود رد عليه: «كفاية كلام.

خلص الموضوع وهات المفتاح».في اللحظة دي، سمعت صوت خفيف جاي من تحت الأرض. بصيت ناحية البلاط، ولاحظت إن فيه جزء مختلف عن باقي الأرضية. قربت منه وبدأت أشيل التراب برجلي. ظهرت حلقة حديد صغيرة. مسكتها ورفعت الغطاء، فظهر سلم نازل لتحت.

فضلت باصة ليها، وبعدها بدأت شفايفها ترتعش. همست: «ماما؟» الست جريت ناحيتها وفتحت دراعاتها. زينب فضلت واقفة مكانها ثواني، كأنها خايفة يكون اللي شايفاه حلم. وبعدين جريت عليها وارتمت في حضنها.«ماما… إنتِ عايشة؟ أنا كنت فاكرة إنك مـ,ـوتي!» فاطمة ضمت بنتها بقوة وفضلت تبوس راسها ووشها، وهي .

«سامحيني يا قلب أمك… سامحيني إني سيبتك كل السنين دي».لكن محمود قاطع اللحظة بصوت غاضب: «خلصتوا أحضان؟ هاتوا المفتاح والورق! » فاطمة رفعت راسها وبصتله. وقالت بثبات: «إنت فاكر إنك كسبت؟ أنا محتفظة بكل الأدلة يا محمود».ابتسامته اختفت. سألها: «إيه الأدلة؟

» مدت إيدها وطلعت دفتر صغير من شنطتها. وقالت: «اعترافات سيد، وتوقيعك على عقود الأرض المزورة، وكمان أسماء الناس اللي ساعدوك في قـ,ـتل جوزي». زينب شهقت وحطت إيدها على بقها. أما أنا، فحسيت إن كل حاجة بدأت تتكشف أخيرًا.

لكن محمود ضحك ضحكة مرعبة وقال: «إنتِ فاكرة إن الدفتر ده هيخلص عليّا؟ فيه سر واحد لو اتكشف، البنت دي هتكره أبوها طول عمرها». زينب بصتله بخوف وسألته: «إيه السر؟» محمود قرب خطوة وقال: «أبوكي يا زينب… مكانش بريء زي ما أمك قالتلك».وفجأة، فاطمة صرخت: «!

متسمعيش كلامه يا بنتي!» لكن محمود رفع إيده وقال: «اسألي أمك مين اللي كان السبب الحقيقي في الحريق اللي شوه وشك. .. واسأليها ليه أبوكي سابك جوه البيت لوحدك!» زينب بصت لأمها، والدموع بدأت تنزل من عينيها.

وقالت بصوت مكـ,ـسور: «ماما… هو بيقول الحقيقة؟» وفاطمة نزلت عينيها للأرض، وسكتت. وفي اللحظة دي عرفت إن فيه سر تاني، سر ممكن يهدم كل اللي زينب صدقته عن عيلتها طول عمرها. يتبع…#حكايات_شروق_خالد#حصري

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى