روايات وقصص

صغيرة على الباب#حكايات_شروق_خالد

كان عندها ست سنين بس، لابسة بلغة صفرا شقلباظ في رجليها، ودخلت علَيّ البرج بكل عين جامدة وبتسألني: “أنت كرشت أمي ليه؟” بصيت في الورقة لقيت إمضتي تحت.. المصيبة إن الإمضاء دي مش بتاعتي خالص. وقبل ما الليل يليل، كانت السبوبة اللي متغطية بقالها سبعتاشر سنة بتفرقع في وش الكل.

البت الصغيرة أبو ست سنين دي، اللي شقلبت حال الشركة، دخلت “برج الشروق” في عز شتا يناير والتلج بيمطر، وهيا لابسة البلغة الصفرا المقلوبة في رجليها، وماسكة في إيدها أرنب قطن ودنه الشمال متخيطة مرتين.

كنت معدي في الصالة الرخام الفخمة مع طارق وتلاتة من الحيتان الكبار بتوع الشركة، فجأة صوتها رن وكسر الهدوء اللي متعود عليه:

— أنت كرشت أمي ليه؟

هو فيه حد يجرؤ يرفع صوته قدام حمزة الشروق، كبير شركات الشروق؟ دا مفيش مخلوق يفتح بؤه معايا بالباطل جوة مبنى مكتوب عليه اسم عيلتي!

لفيت بوشي ناحية أمن البوابة. البت كانت واقفة تحت النجفة الطويلة، لابسة بلوفر بيج وجيبة بينك، ووشها مليان تناحة وإصرار ولا هممها حد. قربت منها ونزلت على ركبي عشان أبقى في سوا وشها.

— اسمك إيه يا شاطرة؟

— سارة يوسف.

اسم العيلة سمع في دماغي وحسيت إنه مش غريب علَيّ، بس مجمعتش مين وقتها.

— مين اللي جابك هنا؟

هزت رأسها وقالتلي:

— محدش.. ركبت المترو وجيت.

طارق قرب شوية وسألها:

— منين يا بت؟

— من شبرا.

برة الإزاز، الشارع كان مطر وتلج بيمطر في الدقي، وجوة الريسبشن حسيت بقشعريرة تلج نزلت في زوري. بتاع الأمن جاب ورا واعترف إن سارة بقالها ساعتين قاعدة ومبتتحركش، وحالفة ميطاط ألا لما تقابلني. شاورَت عليه وقالتلي:

— الراجل ده زعق فيا وجاب آخره معايا.

طارق بص الناحية التانية عشان متطلعش منه ضحكة. أخدت بالي إن فيه ورقة متطبقة ومفصولة في إيدها التانية.

— وريني الورقة دي كده يا سارة؟

ناولتني الورقة بأيدها الصغيرة اللي بتترعش من البرد. فتحتها بالراحة، كانت صورة ضوئية من قرار فصل تعسفي متأرخ من سبعتاشر سنة، وتحت خالص فيه توقيع باسمي.. بس الخط مش خطي، ولا طريقة السحبة بتاعت القلم هي إمضتي.

بصيت لسارة وقعدت على ركبتي أكتر عشان أكون في مستواها:

— مين اللي إداكي الورقة دي يا سارة؟

سارة مسكت في الأرنب المقطوع أكتر وقالت بصوت مكسور:

— ماما وهي عيانة في السرير.. قالتلي إن الورقة دي هي اللي قطعت عيشنا، وإن صاحب الاسم ده هو اللي ظلمنا. بس ماما خلاص مبقتش تقدر تقوم، وأنا جيت أقولك إنك شرير.

الكلام نزل علَيّ زي المية الساقعة. طارق قرب مني ووشه اتخطف لما شاف التوقيع وتاريخ القرار.

— حمزة بيه.. التاريخ ده هو نفس الشهر اللي أبوك الله يرحمه سلمك فيه الإدارة بالاسم بس، لكن كان فيه حد تاني بيخلص الأوراق المطبخة.

سحبت نفس عميق وبصيت لسارة، ومسكت أيدها الدافية:

— سارة.. أنا أوعدك إن لو حظك أوقعك في مظلمة، الحق هيرجع لأمه النهارده قبل بكرة. تعالوا معايا على المكتب.

طلعت بيها على أوفيس الرئاسة، وطلبت من السكرتارية يطلبوا دكتور لـ”أم سارة” فوراً ويروحوا ينقلوها لأحسن مستشفى، وفي نفس الوقت ناديت على المستشار القانوني للشركة وقلتله كلمة واحدة:

— افتحوا الأرشيف.. من سبعتاشر سنة فاتوا. عايز أعرف مين اللي كان بيمضي باسمي ورامي الناس في الشارع.

وكانت دي بداية الخيط اللي كارثته أكبر بكتير من مجرد قرار فصل عادي.

المستشار القانوني بصلي بذهول، وكأنه مش مصدق إن ملف مقفول من سبعتاشر سنة هيتفتح عشان بت صغيرة بلغة صفرا شقلباظ وقفت وسط الصالة!

— بس يا حمزة بيه.. الملفات القديمة دي اتأرشفت، وفيها أسماء ثقيلة في العيلة والشركة، فتحها دلوقتي ممكن يعمل حريقة!

بصيتله بعين حمراء وصوتي جاب آخره:

— لو الشركة دي هتقوم على ظلم الناس ورميهم في الشارع باسمي، يبقى تحرقها أنضف! هاتلي ملف “فاطمة يوسف” فوراً، وعايز كل قرارات الفصل اللي اتختمت بإمضتي في السنة دي بالذات!

طارق قعد سارة على الكنبة الجلد العريضة، وجابلها كوباية سحلب دافي وعصير. البت كانت بتشرب وهي ماسكة الأرنب القماش بكل قوتها، وعينيها بتلف في المكتب الفخم اللي أكبر من بيتها عشر مرات. سألتها بالراحة وأنا بتفحص صورة قرار الفصل:

— أُمك كانت شغال إيه يا سارة؟

مسحت بقها بظهر إيدها وقالتلي:

— كانت بتكتب على الكمبيوتر.. كانت بتقول إنها بتراجع أوراق الحسابات الكبيرة، ولما كشفت حاجة غلط، الورقة دي طلعت، وطردوها ومنعوها تشتغل في أي مكان تاني، وحرموها من كل حقوقها.. وماما مرضيتش تشتغل بعديها وعينها المكسورة خلتها تعيا.

بعد نص ساعة، دخل المستشار القانوني ووشه أصفر زي الليمونة، ماسك في إيده ملف كرتون أصفر ومتهالك، وحطه على مكتبي وأيده بتترعش. فتحنا الملف.. ولما قريت الأوراق، الدم اتجمد في عروقي.

أمي فاطمة مكنتش مجرد موظفة حاسبة.. دي كانت المحاسبة الرئيسية للشركة في الوقت ده، وقرار فصلها مكنش بسبب تقصير.. دا كان عشان هي اللي كشفت عمليات اختلاس وغسيل أموال بمليارات كان بيباشرها عمي “توفيق الشروق” بالشراكة مع مدير الحسابات القديم!

ولما أبويا الله يرحمه سلمني الكرسي بالاسم عشان يتفرغ لمرضه، عمي استغل اللحظة دي.. زور إمضتي على قرار فصلها، وتلفيق تهمة خيانة أمانة ليها عشان يخرسها للأبد ومحدش يصدق كلامها لو اتكلمت!

طارق بصلي وهو مصدوم:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى