Uncategorized

أوضة 317» ج1 حكايات شروق خالد

ج1

لمدة ست سنين طويلة، كان النوم هارب مني بالضبط الساعة 1:17 كل ليلة… نفس اللحظة اللي ماتت فيها «نور» بين دراعاتي تحت فندق فخم في وسط القاهرة.

لحد ما في يوم، دخلت خادمة جديدة قصري، وتجاهلت تمامًا الخوف اللي كان محاوط اسمي، ومدّتلي فنجان مشروب سخن قبل الحلم المرعب بلحظات.

في النهار، الناس كانت بتقول عليّا «آسر الدمنهوري»… رجل أعمال، ومستثمر، وملك رجال الأعمال في القاهرة.

كنت مسيطر على شركات شحن، وعقارات، وشركات أمن خاصة، وعدد كفاية من الرجال الخطرين يخلي القضاة نفسهم يوطّوا صوتهم لما أدخل أي مكان.

لكن بالليل…

كل ده مكنش له أي معنى.

كل ليلة كانت بتبدأ بنفس الطريقة.

العشا يفضل زي ما هو من غير ما ألمسه، والويسكي يحرق حلقي من غير ما يقدر يطفي أي حاجة جوايا، ولحد نص الليل، كان القصر المطل على النيل بيبقى ساكت… ساكت لدرجة تحسه مقبرة.

الساعة 1:12، كنت بقعد فجأة على طرف السرير.

الساعة 1:15، إيديا كانت بتبدأ تترعش.

والساعة 1:17…

نور كانت بتموت من جديد.

من ست سنين، كانت واقفة جنبي في جراج تحت الأرض، وبتترجاني أسيب الحياة اللي ورثتها.

نور كانت ممرضة طوارئ… عنيدة، رحيمة، وشجاعة لدرجة إنها شافت كل حاجة قبيحة جوايا، من غير ما تحاول تقنع نفسها إنها جميلة.

في مرة قالتلي:

«إنت مش شخص مفيش أمل في إنقاذه… إنت بس بتتصرف كأن التوبة ليها ميعاد نهائي.»

في الليلة دي، دوّى صوت رصاصة مكتومة في الجراج.

الرصاصة كانت موجهة ليا.

لكن نور زقتني بعيد.

وأنا لحقتها قبل ما تقع.

الدم بدأ ينتشر على معطفها الكحلي الغامق، وصوابعها مسكت في ياقة قميصي، بينما مياه المطر كانت بتلمع على الأرض الخرسانية تحت رجلينا.

بصتلي وهمست:

«إنت وعدتني… اختار الحياة.»

وبعدين إيدها وقعت.

الأدوية فشلت.

العلاج النفسي فشل.

الكحول فشل.

حتى الإرهاق نفسه مقدرش يسكت الساعة 1:17.

القصر اتغير معايا.

الخدم بدأوا يمشوا واحد ورا التاني، والجناح الشرقي اتقفل ومحدش دخله، وصورة نور فضلت زي ما هي في مكتبي جنب الشباك، من غير ما ألمسها.

لحد ما عمتي «سميحة» قررت إني عانيت كفاية.

بصتلي وقالت:

«إنت مش ملك… إنت بيت مسكون لابس بدلة غالية.»

بعد يومين، وصلت «مريم حسن» ومعاها شنطة واحدة.

كانت لابسة فستان كحلي بسيط، وجزمة بكعب واطي، وفي رقبتها صليب فضي.

وعكس كل الخدم اللي اشتغلوا عندي قبل كده، هي ما ارتعشتش، ولا حاولت تتقرب مني، ولا فضلت تبص على الحرس المسلحين.

من على سلم الدور التاني، كنت بتابعها وهي بتعدّي الردهة الكبيرة.

وقفت، وبصتلي في عيني مباشرة، وبعدين هزت راسها بهدوء.

الغريب إن ده خوّفني أكتر من الخوف نفسه.

بعد تلات أيام، لقيتها بتمسح التراب من على مكتبي.

صورة نور كانت متحركة عن مكانها المعتاد حوالي بوصتين.

قلت بصوت بارد:

«إنتِ لمستيها.»

ردت مريم بهدوء:

«كانت قريبة من الحافة… خفت تقع.»

قلت:

«أنا مش بحب حد يحرّك حاجتي.»

قالت:

«فاهمة.»

وبعدين بصت لصورة نور.

وقالت ببساطة:

«ابتسامتها دافية.»

المكان كله اتجمّد.

قلت:

«إنتِ متتكلميش عنها.»

ردت:

«حاضر.»

ولا اعتذار.

ولا فضول.

ولا حتى خوف.

في الليلة دي، استنيت الكابوس زي كل ليلة.

الساعة 1:16، صدري بدأ يضيق، وريحة الخرسانة المبلولة رجعت تملأ دماغي.

لكن فجأة…

سمعت صوت جاي من تحت.

معلقة خبطت بهدوء في طرف حلة.

وباب دولاب اتقفل برفق.

أصوات عادية كانت بتتحرك في بيت نسي من زمان يعني إيه يحس إنه حي.

نزلت ورا الصوت لحد المطبخ.

لقيت مريم واقفة تحت نور البوتاجاز، بتحرّك حاجة ريحتها غريبة ودافية، فيها زنجبيل وقرنفل.

البخار كان طالع لفوق، ومالي المكان بدفا مفتقدتش ريحته من سنين.

بصتلها وقلت:

«إنتِ المفروض تكوني نايمة.»

بصتلي وقالت:

«ولا إنت المفروض تكون نايم.»

صبّت المشروب في مج، ومدتهولي.

سألتها:

«إيه ده؟»

مريم بصت في عيني مباشرة، وقالت:

«حاجة تساعدك تبطل تحارب النوم.»

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى