روايات وقصص

زعيم المافيا الذي أنقذ ابني بعد 4 سنوات

طفل زعيم المافيا بعد ست ساعات من الصراخ، كان فارس المنصوري على وشك الانفجار، وكل شخص داخل المطعم كان يعرف أن الاقتراب منه جنون. لكنني عبرت صالة الطعام، ونظرت إلى أخطر رجل في المدينة مباشرة في عينيه وقلت: «إنت بتأذي ابنك بإيدك.» ساد الصمت في المكان لدرجة أنني كنت أسمع صوت المطر وهو يخبط على الشبابيك.

 

كنت بحمل الأطباق في مطعم «لافيتا» لما بدأ صوت بكاء الرضيع يخترق موسيقى الجاز. وبحلول الساعة السادسة، كان الطفل وجهه أحمر من شدة البكاء، مرهقًا، وبيحاول ياخد نفسه بين كل صرخة والتانية، بينما أربعة رجال مسلحين واقفين حوالين السرير الصغير ومش عارفين يعملوا إيه.

«خلّوه يسكت.»

فارس ما رفعش صوته.

هو ما كانش محتاج.

حتى مدير المطعم وشّه شحب.

كان فارس المنصوري قاعد تحت أباجورة نحاس، لابس بدلة رمادي غامق تمن ثمنها أكتر من مرتبي بشهور. رجاله كانوا واقفين حواليه زي الحيطان، لكن ولا واحد فيهم كان عارف يتعامل مع طفل رضيع.

واحد منهم كان رجع فعلًا بكوباية لبن بقري.

وبعدين الطفل صرخ تاني.

الصوت ده اخترق قلبي.

أربع سنين اختفوا في لحظة.

رجعت أوضة مستشفى، وأنا حاضنة ابني آدم على صدري، والأجهزة حواليه بتسجل نبض قلب عمره ما كان سليم.

افتكرت وأنا بتوسل له يفضل بيتنفس.

لكنه ما كملش.

بعدها بطلت التمريض، لأن المستشفيات كانت بتخلّي ركبتي ما تشيلنيش.

الشغل على الترابيزة كان أسهل.

ابتسمي.

شيلي الأكل.

روحي بيتك.

وما تفتكريش.

لكن الطفل ده ما كانش جعان بس.

كان بيتوجع.

حطيت الصينية على الترابيزة.

مدير المطعم مسك دراعي.

«إوعي.»

قلت له: «الطفل محتاج مساعدة.»

«ده فارس المنصوري.»

«عارفة.»

«إحنا الليلة دي مش موجودين. فاهمة؟»

صرخة جديدة ومكسورة خرجت من الطفل وملأت المطعم.

سحبت دراعي من إيده.

«مش بعد دلوقتي.»

المسافة الأربعين خطوة اللي مشيتها ناحية ترابيزة فارس كانت كأنني بمشي فوق بحر متجمد وكل خطوة ممكن تكسر الجليد تحتي.

واحد من الحراس وقف قدامي.

«خلاص لحد هنا يا حلوة.»

قلت: «الطفل محتاج مساعدة.»

«ارجعي شغلك.»

«إنتوا كلكم مخوفينه.»

ملامحه اتغيرت.

ثم جاء صوت فارس.

«سيبها تعدي.»

الحراس اتحركوا فورًا.

لما قربت، شفت الطفل عن قرب.

كان شعره الأسود ملزق في جبينه من العرق، ورجليه مضمومة ناحية بطنه، وظهره بيتقوس مع كل صرخة.

وفارس كمان كان شكله مختلف.

لسه خطير.

لكن تحت الخطر كان فيه إرهاق وخوف واضحين.

قال لي: «إنتِ عارفة تسكتيه؟»

«ممكن.»

ضيق عينيه.

«ممكن؟»

قلت: «لازم أشيله.»

واحد من رجاله شهق من الصدمة.

فارس مال بجسمه للأمام.

«لو وقع منك—»

قاطعته: «مش هيقع.»

«لو حصل له حاجة، مش هيبقى فيه مكان في البلد كلها تقدري تختبئي فيه.»

المفروض الكلام ده يخوفني.

لكني بصيت للطفل اللي جسمه الصغير كان بيتلوى من الألم.

وقلت بهدوء:

«بس إنت بتأذيه دلوقتي.»

كل الموجودين في المطعم اتجمدوا.

عيني فارس لمعت بالغضب.

لثانية واحدة، افتكرت إني ارتكبت أكبر غلطة في حياتي.

ثم أطلق ابنه صرخة مخنوقة ومؤلمة لدرجة إن غضب فارس اختفى تمامًا.

قال:

«اعملي اللي تقدري عليه.»

مديت إيدي للسرير.

وأول ما شلت الطفل، الحزن ضرب صدري بقوة لدرجة إني كدت أفقد نفسي.

كان دافي، صغير، ومألوف بشكل مؤلم.

بلعت دموعي.

وهمست:

«خلاص يا حبيبي… أنا معاكي.»

حطيته بحذر على ساعدي، وسندت رقبته، وبدأت أربت على ظهره بحركات بطيئة.

قلت لفارس:

«غالبًا عنده مغص شديد أو غازات. بطنه مشدودة، وكل ما بيصرخ بيبلع هوا أكتر. والزحمة والصوت والتوتر حواليه بيخلوا الموضوع أسوأ.»

فارس فضل باصص لي.

«مغص؟»

«أيوه.»

ملامحه اتشدت بشك.

«ومين اللي عمله؟»

بصيت لأخطر رجل في المدينة، وفهمت حاجة غريبة جدًا.

فارس المنصوري كان فاكر إن المغص شخص.

قبل ما ألحق أشرح له، الطفل فجأة سكت.

مش هدي.

سكت تمامًا.

فارس قام من مكانه في لحظة.

وبصيت للطفل اللي بين إيديا.

وفجأة…

الدم اتجمد في عروقي.

حكايات شروق خالد

لم أسمع أي شيء غير دقات قلبي.

الطفل لم يعد يبكي.

وجهه الصغير كان ساكنًا بشكل مخيف، وعيناه مغمضتان، وفمه مفتوح قليلًا.

«يا حبيبي؟»

حركت يدي على ظهره.

لا استجابة.

فارس اندفع ناحيتي.

«ابني!»

رفعت يدي أمام صدره.

«استنى! ما تلمسوش.»

تجمد مكانه.

نظرت إلى صدر الطفل.

كان يرتفع… ثم ينخفض.

يرتفع بصعوبة.

ثم ينخفض.

«هو بيتنفس.»

فارس أخذ نفسًا كأنه كان غريقًا وطلع فوق سطح الميه.

لكنني لم أطمئن.

لم يعجبني صوت تنفسه.

كان ضعيفًا ومصحوبًا بصوت صفير خافت.

قلت بسرعة:

«لازم مستشفى فورًا.»

أحد الرجال قال:

«الدكتور في الطريق.»

صرخت فيه:

«مش كفاية! لازم طوارئ أطفال حالًا!»

فارس لم يجادل.

أشار بيده.

«العربية.»

تحرك أربعة رجال في وقت واحد.

لكنني لم أتحرك.

فارس نظر لي.

«إنتِ جاية معانا.»

«أنا؟»

«إنتِ اللي عرفتي إن فيه مشكلة.»

«بس أنا مش دكتورة.»

اقترب مني وقال بصوت منخفض:

«بس إنتِ الوحيدة اللي لاحظت.»

لم أعرف لماذا، لكن كلماته جعلت قلبي يخفق.

خرجنا من المطعم وسط المطر.

أحد رجاله فتح باب السيارة المصفحة.

جلست في الخلف وأنا أحمل الطفل، وفارس جلس بجانبي.

وبمجرد أن أغلقت الأبواب، انطلقت السيارة بسرعة جنونية.

كنت أراقب صدر الصغير.

«واحد… اتنين… تلاتة…»

فارس سأل:

«بتعدي ليه؟»

«عشان أتابع تنفسه.»

«وهو؟»

«لسه بيتنفس.»

سكت لحظة.

ثم قال:

«اسمه ياسين.»

رفعت عيني إليه.

«ياسين؟»

«أيوه.»

ابتسمت رغم خوفي.

«اسم حلو.»

ظل فارس ينظر أمامه.

ثم قال:

«أمه اختارت الاسم.»

تغير صوته عند آخر كلمة.

«فين أمه؟»

لم يجب.

فهمت الإجابة من صمته.

قلت بهدوء:

«هي ماتت؟»

قبض يده.

«من تلاتة أيام.»

سكت.

«ولادتها كانت صعبة.»

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى