
منها وقعد قدامها على ركبتيه، مسك كف إيدها البارد وقال بنبرة هادية لأول مرة تسمعها منه: “مريم.. بصي لي.”
رفعت عيونها ليه ببطء، فكمل كلامه بحزم: “الليلة دي انتهت، ومحدش هيقدر يوصلك طول ما أنا موجود. بس عشان نخلص من الكابوس ده للأبد، محتاج منك حاجة واحدة.. كل معلومة تعرفيها عن مكان سالم، مخازنه، أو رجاله اللي بيعتمد عليهم. هنجيب اللعبة لملعبه، ومش هستنى لحد ما يبعتلي هدايا تاني جوه بيتي.”
مريم بلعت ريقها، وحست لأول مرة إن فيه سند حقيقي معاها، مش مجرد جواز صفقة ورقة وقلم. هزت راسها بقوة وقالت: “أنا هقولك على كل حاجة.. كل مكان خبي فيه فلوسه ومستندات شبكة الأعمال بتاعتها، سالم عنده نقطة ضعف واحدة، ولو ضربناها.. هيقع من فوق.”
عز الدين ابتسم ببرود وبص لعيونها وقال: “يبقى عظيم.. جهزي نفسك يا مريم، بكرة الصبح، إحنا اللي هنبدأ الهجوم.”
الفجر بدأ يطل بنوره الخفيف على أسوار القصر، وجوه مكتب عز الدين الخاص، الأجواء كانت مختلفة تماماً؛ هدوء مشحون بالتركيز والتخطيط. على الكبيرة الخشبية الكبيرة، كانت خريطة مفصلة لميناء الإسكندرية وبعض المستودعات المهجورة في ضواحي القاهرة مفروشة قدامهم، ومعاها صور ومستندات قديمة مريم طلعتها من تليفونها القديم المشفر.
مريم كانت واقفة قدام الخريطة، شايرة بصوابع بترتجف خفيف على نقطة معينة وقالت بصوت هادئ ومؤكد: “هنا.. ده المخزن الرئيسي لسالم. مش مخزن عادي، ده المكان اللي بيخزن فيه البضائع المخفية والأموال السائلة اللي بيعتمد عليها في كل عملياته. حراسته قوية، بس ليه مدخل سري من الناحية الخلفية للمصنع القديم، محدش يعرفه غيري لأن أنا اللي صممت له النظام الهندسي بتاعه زمان قبل ما أهرب.”
عز الدين كان قاعد على الكرسي الجلدي، لابس بدلة سودة كاملة وجاكت الرصاصي محزم على وسطه، وعينيه متابعة كل تفصيلة مريم بتشرحها. ابتسم ببرود وقال: “جميل جداً.. تصميم مدخل سري يعني مفتاح الدخول في إيدينا من غير ما نحتاج نكسر الحيطان ونلفت الانتباه.”
في اللحظة دي، باب المكتب اتفتح ودخل عمّار ومعاه تلاتة من قيادات الحرس الخاص، وملامحهم كلها جاهزة للتحرك. عمّار قال بجدية: “يا باشا، الرجالة جاهزة بره في العربيات، والعدد متجهزة، والإشارة عندك أنت بس.”
عز الدين وقف بطلعته الواثقة، وعدل كباسين جاكيته، وبص لمريم نظرة أخيرة كلها قوة وثبات، وقال: “خليكي هنا في القصر، الباب محصن، ومفيش كائن حي يقدر يقرب منك. أنا هروح أنهي الكابوس ده بنفسي، وراجع لك ومعاي سالم.”
مريم قربت منه بخطوات سريعة، وما قدرت تعبر عن خوفها إلا لما مسكت دراعه وقالت بصوت مكسور: “عز الدين.. أرجوك احذر، سالم مش سهل، وعنده رجالة لا ترحم.”
عز الدين حط إيده الداكنة على إيدها، وبابتسامة خفيفة هدّأ روعها وقال: “مفيش حد بيقدر ياخد حاجة تخص عز الدين الروسي.. استنيني.”
تحت ضوء الشمس اللي لسه طالع، تحركت قافلة عربيات سوداء فخمة من بوابات القصر متجهة نحو المجهول، والمواجهة الأخيرة ضد عالم سالم المنسي بدأت تتحرك على أرض الواقع، وكل طرف كان مستعد يدفع الثمن للاخر.
#حكايات_شروق_خالد




