
الجزء الثاني
فضلنا أنا وعمر صاحيين طول الليل في شقتي بالمهندسين بنرتب خطتنا القانونية بعناية. عمر قال وهو بيولع سيجارة: «محمد، أحمد أخوك ده مش سهل.. ده راجل فاهم تكنولوجيا وأمن معلومات، يعني أكيد بيته متأمن بسيرفرات خاصة، ومحدش هيدخل بسهولة من غير سند قانوني محكم».
«عشان كده مش هنعتمد على العشوائية.. هنعتمد على الإجراءات الرسمية والتقارير الطبية»، قلتله وأنا باخد بؤ قهوة أسود. «أنا كلمت دكتورة نادين، صديقتنا القديمة اللي شغالة مع المجلس القومي للطفولة والأمومة.. هتقابلنا الصبح بدري».
الساعة 7 الصبح، كنا قاعدين مع دكتورة نادين في كافيه هادئ قرب قسم الشيخ زايد. نادين سمعت مني كل كلمة ووشها اتغير، وعينيها دمعت من الغضب: «محمد.. اللي بتحكيه ده خط أحمر وجسيم بحق طفلة بريئة. بس القانون مابيمشيش بالنوايا، لازم أطباء نجدة الطفل يتلقوا بلاغ رسمي عاجل، ولازم معاينة فورية ومباشرة من خلال الإجراءات الرسمية».
أنا كنت عارف إننا لو دخلنا الشرطة ونجدة الطفل فجأة من غير تنسيق، أحمد هيستعين بمحامين وهيتحجج بأي حجة لتعطيل الإجراءات.قلت لنادين: «علاقاته ونفوذه لازم نواجههم بإذن نيابة مباشر وبلاغ رسمي فوري يتنفذ قبل ما يتحرك».
عملنا بلاغ رسمي عاجل عن طريق نجدة الطفل للنائب العام والنيابة المختصة، وبناءً علىراجعة سريعة للأدلة الأولية، صدر إذن فوري بالتفتيش والمعاينة الطبية الطارئة.بعدها اتصلت بأحمد على الساعة 10 الصبح. حاولت أخلي صوتي مرتبك: «أحمد.. الحقني. أنا عملت حادثة بالعربية قريب من الكمبوند بتاعك وعربيتي معطلة.. ينفع أجي عندك ساعتين لحد ما أونش السحب ييجي؟»
أحمد رد ببرود، ونبرة التعالي باينة في صوته: «تعال يا محمد، الباب مفتوحلك».وصلت الفيلا بعد نص ساعة، وكنت رابط إيدي برباط ضاغط عشان الأكذوبة تكمل. شيماء فتحتلي الباب ووشها ملوي، وأحمد كان قاعد في الصالة ماسك اللاب توب بتاعه.«ألف سلامة يا سيدي.. أديك دخلت نفسك في حوارات»، أحمد قالها وهو بيبصلي بقرف.
قلتله: «الله يسلمك.. معلش يا شيماء، جيبلي كوباية مية بس أخد مسكن».شيماء دخلت المطبخ، وأحمد عينيه نزلت تاني على شاشة اللاب توب. في اللحظة دي، بعت إشارة لعمر ونادين اللي كانوا منتظرين في عربية رسمية بره الكمبوند مع قوة أمنية ومعاهم أذن النيابة وتصريح نجدة الطفل.
خلال دقائق، جرس الباب رن بحدة. شيماء طلعت من المطبخ وفتحت الباب. دخل 3 أشخاص: دكتورة نادين، ومعاها ضابط شرطة برتبة مقدم من مباحث الشيخ زايد، واثنين من ممثلي المجلس القومي للأمومة والطفولة.
أحمد قام واقف فجأة واللاب توب كاد يقع من إيده، ووشه اتغير 180 درجة: «في إيه؟ أنتم مين ودخلتم هنا إزاي؟!».الضابط طلع الكارنيه ومحضر النيابة: «أستاذ أحمد.. إحنا معانا إذن نيابة رسمي بزيارة وتفتيش ومعاينة طبية عاجلة للطفلة سارة أحمد، بناءً على بلاغ رسمي من نجدة الطفل».
شيماء صرخت: «أنتوا مجانين؟! بلاغ إيه وتفتيش إيه؟!».لكن نادين مشيت بخطوات ثابته ناحية سلم الفيلا اللي نزلت منه سارة بخوف وهي ماسكة الأرنب القماش ومستخبية.«سارة.. تعالي يا حبيبتي، محدش هيقدر يؤذيكي تاني»، نادين قالتها بابتسامة دافية وهي بتفتح شنطتها الطبية. أحمد حاول يقف في طريقها بغضب وصرخ: «أنتوا بتهزروا؟! محمد! أنت اللي ورا الملعوب ده؟!».
أنا وقفت قدامه، وشلت الرباط الضاغط من إيدي ورميته على الأرض: «أنا مش جاي أعمل فيلم يا أحمد.. أنا جاي أخد حق سارة منك ومن القذارة اللي بتعملها».في الأوضة اللي فوق، نادين وممثلة نجدة الطفل قفلوا الباب وعملوا المعاينة الطبية الأولية والتوثيق القانوني المعتمد.
بعد دقائق، الباب اتفتح. نادين خرجت ووجهت كلامها للضابط بملامح حازمة وصارمة. الضابط قال بأعلى صوته للظباط اللي معاه: «هاتوه.. واقبضوا على المدام كمان بتهمة التستر والتورط في الإهمال الجسيم وتعريض حياة طفلة للخطر».أحمد اتجنن وقعد يزعق: «انتوا مش عارفين أنا مين!».
بس القيود اتقفلت في إيده وفي إيد شيماء قبل ما يكمل كلمته. وهما بياخدوهم، نادين قربت مني واديتني ملف صغير تم سحبه من الغرفة كأدلة مادية تدعم التحقيقات الرسمية.الأكثر صدمة أن تحقيقات النيابة وتفريغ الأجهزة والسيرفرات كشفت أن أحمد لم يكن مجرد جانٍ في بيته، بل كان متورطاً في شبكة إلكترونية مشبوهة تستغل الأطفال وتتداول محتوى ضاراً عبر مسارات رقمية سرية، وأن أسرته كانت على علم بميوله الانحرافية منذ سنوات وغطت عليه أملًا في «تعديل سلوكه»، متجاهلين تماماً سلامة الطفلة الضحية.
النهاردة.. أحمد وشيماء يقضيان عقوبة مشددة خلف أسوار السجن بعد محاكمة عادلة أثبتت إدانتهم الكاملة.وسارة.. سارة أصبحت تعيش معي في بيتي بأمان وسلام. كل يوم بالليل، باجي جنب سريرها، وبقعد معاها وهي ماسكة الأرنب القماش، وبقولها: «خلاص يا عصافيرتي.. الأيام الصعبة راحت للأبد، ومفيش حد في الدنيا يقدر يؤذيكي تاني».وبتبتسم سارة.. وبتنام وهي مطمئنة تماماً.
#حكايات_شروق_خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




