منوعات

قلب سليم ج3 .حكايات شروق خالد

رفعت عيني وبصيت لـ فاطمة.

كانت واقفة بعيد شوية، ماسكة الشنطة الجلد القديمة على كتفها، والبالطو الكحلي على إيدها. كانت بتبصلنا بابتسامة دافية جداً، ودمعة واحدة سايلة على خدها.

نزلت حمزة بالراحة على الكرسي، وقمت وقفت وجيت ناحيتها.

“رايحة فين؟” سألتها بصوت خافت.

فاطمة عدلت الشنطة وقالت: “أنا شرطت عليك من أول يوم… حمزة وقف على رجليه، وخلاص مبقاش محتاجني، وأنت بقيت الأب اللي كان مفروض تكونه من زمان.”

“بس إحنا محتاجينك يا فاطمة…” قلتها بصدق. “البيت ده بقاله روح بسببك.”

فاطمة هزت راسها بنفي وقالت بصوت هادي: “الروح دي كانت جوتكم من الأول، بس كانت مستخبية ورا الخوف والحزن. أنا كل اللي عملته إني رفعت الغطا. فيه أطفال تانيين يا سليم بيه محتاجين حد يفك الشفرة بتاعتهم… وحمزة دلوقتي أمان في حضنك.”

قربت من حمزة، وطأطأت باست راسه، وقالتله: “أشوفك بطل في المدرسة السنة الجاية… اتفقنا؟”

حمزة هز راسه ودموعه في عينيه: “هتوحشيني يا فاطمة.”

“وأنت كمان يا بطل.”

لفت ودمجت خطوتها ناحية البوابة الفولاذية المفتوحة. مشيت بخطوات ثابته، وهادية، والشمس ضاربة في ضهرها.

بصيت لـ حمزة، ومديتله إيدي: “يلا يا بطل؟”

حمزة مسك إيدي بقوة، وزق الكرسي بنفسه: “يلا يا بابا.”

الفيلا المظلمة اللي كانت عبارة عن سجن وكاميرات وحراسة، بقت أخيرًا بيت مليان دفء وحياة. والماضي المظلم اتدفن… عشان يبدأ بكره اللي كنا مستنيينه من زمان.

#حكايات_شروق_خالدعدت السنين، والفيلا اللي كانت زمان شبه المدفن والمحاطة بحديد وكاميرات، بقت مليانة حياة وحركة.

حمزة كبر، وبقى في أولى إعدادي. ورغم إن المشي لسه بيحتاج منه مجهود وعكاز طبي بيسند عليه، بس عزيمته بقت أشد من الحديد. رجع مدرسته، وبقى أسرع واحد يبتسم وأول واحد يرفع إيده في الفصل.

أنا كمان اتغيرت… شغلي ونفوذي بقى ليهم معنى تاني، ومبقيتش قفل ولا عايش في سجن الخوف. بقيت أقضي مع حمزة معظم وقتي، ونخرج وسافرنا كذا مكان، ونسينا كلمة “مستحيل”.

لكن فاطمة… فاطمة مكنتش بتغيب عن بالنا يوم واحد.

في يوم جمعة، وحمزة قاعد في الجاردن بيلعب مع كلب صغير كنا جيبناهول جديد، جه “حمدي” رئيس الحراسة واداني ظرف مقفول.

“سليم بيه… الظرف ده جه في البوسطة باسمك، ومكتوب عليه شخصي.”

فتحت الظرف بالراحة. كان جواها كارت صغير مكتوب فيه بخط إيد دافي وأنيق:

> “سليم بيه… حمزة…

> النهارده الجمعة، وافتكرت إن فيه وعد قصة قديمة مكملش. لو فاضيين، أنا مستنياكم في دار الأيتام اللي في وسط البلد… فيه بطل جديد محتاج يشوف حمزة وهو بيعدي الخطوة الأولى.”

> — فاطمة

>

بصيت لـ حمزة وقلتله: “جهز نفسك يا بطل… القصة الجديدة هتتبدأ النهارده.”

حمزة عيونه لمعت وقام بسرعة زاق نفسه بالعكاز: “فاطمة?!”

ركبنا العربية، وفي السكة كنا بنحكي ونفتكر الأيام الأولى، وإزاي كلمة واحدة منها غيرت مجرى حياتنا كلها.

أول ما وصلنا الدار، دخلنا الصالة الكبيرة. لقينا فاطمة قاعد مع ولد صغير في حدود ست سنين، قاعد على كرسي متحرك وواجم، رافض يتكلم مع أي حد حوليها… نفس النظرة اللي كانت في عين حمزة من سنين.

فاطمة رفعت عينها وبصتلنا، وابتسمت نفس الابتسامة الصافية.

حمزة قرب بالراحة من الولد الصغير، وقعد قصاده، ورفع عكازه بثقة وقالوله: “أنا اسمي حمزة… والكرسي ده؟ أنا كنت قاعد عليه قبلك، بس المكان هنا مش آخر الدنيا… تعال أقولك قصة.”

وقفت بعيد، وبصيت لـ فاطمة اللي قربت مني وقالت بصوت خافت: “شفت يا سليم بيه؟ الدائرة بتكمل… اللي خد أمل، بيده للغير.”

مسكت إيد فاطمة وقلتلها بامتنان عميق: “أنتِ مش بس رجعتيلي ابني يا فاطمة… أنتِ علمتينا إزاي نعيش.”

ومن اليوم ده، الفيلا مكنتش بيتنا لوحدنا… بقت مفتوحة لدعم كل طفل محتاج أمل، وفاطمة فضلت هي الروح اللي بتفكرنا دايماً إن الخوف محبس، والحياة بتبدأ لما نسترجل ونواجه.

قلب سليم

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى