
في مساء يوم خريف دافئ، كنتُ أقف أمام النافذة الزجاجية الضخمة في مكتبي، أراقب السفن التجارية وهي تتراص في المرفأ الجديد. كانت حركة الشحن تسير بدقة ساعة سويسرية، والشركة تحقق أرباحاً غير مسبوقة بعد تطهيرها من صبيان “طاهر عبد الجليل”.
طُرِق الباب بدقتين منتظمتين.
“ادخل.”
دخلت خديجة تحمل المجلد الجلدي الخاص بالصفقة الألمانية الجديدة. وضعت الملف على مكتبي، لكنها لم تغادر كعادتها.
رفعتُ عينيّ إليها ونظرتُ في عينيها بثبات: “في مشكلة في الأوراق؟”
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت: “لأ، الأوراق جاهزة ومراجعة بند بند. بس في حاجة تانية…”
أخرجت من حقيبتها ظرفاً أبيض صغيراً ووضعته فوق الملف.
حجبتُ حاجبيّ واستفسرت: “إيه ده؟”
“ده مبلغ الديون الطلابية اللي كانت عليا،” قالتها بنبرة يملؤها الفخر والراحة. “شيك بسداد آخر قسط. النهاردة قفلت الملف ده للأبد… وحبيت إنك تكون أول حد يعرف.”
نظرتُ إلى الظرف ثم إليها، وشعرتُ بامتنان غريب يغمرني. تلك الفتاة التي دخلت شركتي منذ سنتين تبحث عن مجرد أمان مالي للهروب من ديونها، أصبحت الآن تقف على أرض صلبة، حرة ومستقلة.
قمتُ من خلف مكتبي واقتربتُ منها حتى لم تفصل بيننا سوى خطوات معدودة.
“مبروك يا خديجة،” قلتُ بصوت دافئ وعميق. “أنا فخور بيكي بجد.”
احمرّت وجنتاها، وتطلعت إليّ بنظرة تحمل الكثير من المشاعر التي لم نجرؤ على نطقها طوال الأيام الماضية.
“حمزة…” همست باسمي دون ألقاب، كما فعلت في حلمها تلك الليلة. “أنا عمري ما شكرتك كفاية. أنت مش بس غيرت حياتي… أنت حميتني ووثقت فيا في وقت أنا نفسي ماكنتش واثقة في قدراتي.”
امتدت يدي رغماً عني لتلامس طرف يدها الناعمة. لم تتراجع، بل أغلقت أصابعها على يدي ببطء.
“أنتِ اللي أنقذتيني يا خديجة،” أجبتُها بصدق. “قبل ما تدخلي الأوضة دي في الليلة الممطرة ديك، كنت فاكر إن القوة هي إنك تخلي كل الناس تخاف منك… بس معاكي عرفت إن القوة الحقيقية هي إنك تلاقي حد تثق فيه وتحميه بروحك.”
عمّ الصمت المكتب، صمت دافئ يضج بالمعاني.
وفجأة، رن هاتف مكتبي الداخلي ليقطع تلك اللحظة الساحرة. كان صوت علي على الطرف الآخر، متوتراً وحازماً:
“حمزة بيه… طاهر عبد الجليل برة ومصرّ يقابلك، ومعاه أوراق جديدة بخصوص المرفأ القديم.”
نظرتُ إلى خديجة، ووجدتها تبتسم ابتسامة واثقة، وعيناها تلمعان بتحدٍّ جريء.
أمسكتُ بفيشة الهاتف ورددتُ ببرود: “خليه يدخل يا علي… نائب رئيس مجلس الإدارة جاهزة تستقبله بنفسها.”
#حكايات_شروق_خالد



