
طول الساعة، طارق كان واقف بيراقب، بس المرة دي مكنش حاطط إيده في جيبه ولا واقف متوتر. كان باصص لأبوه بخرور وراحة حقيقية. لما الساعة خلصت، عم حسن مسح عرق قورته بمنديل قماش وقال وهو بياخد نفسه: “كده أنا عملت اللي عليا.
. الباقي على ربنا وعلى بنت عمي بكرة!””أنت ممتاز يا عم حسن،” نور قالت بإعجاب حقيقي. “صدقني هتفاجئهم كلهم.”عم حسن قعد على الكرسي أخد بق مية، وبعدين بص لساعته وقال: “طيب يا أولاد، أنا هطلع أقعد في الكافيه اللي على أول الشارع أشرب قهوة.. عشان أسيبكم تتمرنوا براحتكم.
“طارق بص لأبوه برفع حاجب: “تسيبنا براحتنا إيه يا بابا؟ اقعد استريح هنا.””لا يا حبيبي، المزيكا بتاعتكم بتصدعني، وأنا عاوز أشرب قهوة مظبوطة،” عم حسن قال وهو بياخد الجاكيت بتاعه وبيغمز لنور من ورا طارق. “ساعة بالظبط وهبقى عندك يا طارق.
“خرج عم حسن وقفل الباب، وفضل الاستوديو فاضي ومفيش غير نور وطارق، وصوت المزيكا الهادية شغال في الخلفية. الهدوء ساد القاعة للحظات. نور طفت شريط الفالس، وشغلت مزيكا أبطأ شوية، وبعدين التفتت لطارق وربعت إيدها: “جاهز؟
“طارق أخد نفس عميق، وابتسم بقلة حيلة: “مش عارف.. بصراحة أنا متعود على الاجتماعات الصعبة، بس التواجد هنا بيرهبني شوية.””علشان في الاجتماعات أنت بتسيطر بعقلك،” نور قالت وهي بتقرب منه وبتمادي إيدها. “هنا، لازم تسيب جسمك هو اللي يتحرك وتنسى السيطرة.
“طارق بص لإيدها المعروضة عليه لثانية، وبعدين حط إيده في إيدها. المرة دي، أول ما مسك إيدها وحط إيده التانية على ضهرها، نور حسيت بالفرق. جسمه مكنش متخشب زي المرة اللي فاتت، بس كان لسه شايل حمل كبير على كتافه.
“بدل ما تفكر في الخطوة الجاية،” نور قالت بصوت هادي وهي بتاخد خطوة لورا وبتسحبه معاها بالراحة، “فكر في المزيكا.”طارق بدأ يتحرك معاها. في الأول كانت خطواته حساسة ومترددة، بس مع كل ثانية بتعدي، كان جسمه بيبدأ يستجيب. القاعة الواسعة والمرايات اللي حوليهم كانت بتعكس حركتهم المنتظمة.
“تعرف،” طارق قال بصوت واطي وهو باصص لعينها، “أنا مكنتش بعرف أتنفس كويس الفترة اللي فاتت.””ليه؟” نور سألت بطلف وهي بتدور معاه دورة خفيفة.”الشغل.. الضغط.. الخوف على بابا بعد ما أمي ماتت.. حسيت إني متحول لآلة بتشتغل بس عشان تحمي كل حاجة حوليا.””والنهاردة؟
“طارق بص لها وابتسم ابتسامة دافية وصافية جداً: “النهاردة حاسس إني صاحي.”المزيكا بدأت تعلى، وحركتهم بقت أنسيابية أكتر. طارق بدأ يدور بيها بثقة، وضحكة نور رنت في القاعة لما لقت خطواته بقت مظبوطة مع المزيكا من غير ما يفكر أو يبص لرجله.
لما المزيكا خلصت، هما الاتنين وقفت حركتهم، بس فضلو قريبين من بعض. إيده كانت لسه على ضهرها، وإيدها كانت مسكينة كتافه.”على فكرة،” نور قالت وهي بتاخد نفسها وبتبتسم، “أنت طلعت بتعرف ترقص كويس أوي.
. أنت بس كنت محتاج تثق في نفسك.””أنا مكنتش محتاج أثق في نفسي،” طارق رد بنبرة هادية وعميقة وهو بيبص لها. “أنا كنت محتاج حد يخليني أفتكر إزاي أرقص.”باب الاستوديو اتفتح فجأة، وعم حسن دخل وهو ماسك كوباية القهوة: “الساعة خلصت يا شطار!
إيه الأخبار؟”طارق ونور بعدوا عن بعض ببطء بابتسامة، وطارق التفت لأبوه وهو بيعدل قميصه: “الأخبار كويسة أوي يا بابا.”عم حسن بص لهم الاتنين بنظرة خبيثة وابتسامة واسعة: “طب الحمد لله.. يلا بينا عشان نجهز لبكرة.”طارق بص لنور وقال وهو بيمد إيده يسلم عليها: “شكراً يا نور.. بجد.
“”بالتوفيق لعم حسن بكرة،” نور قالت. “ومستنية أسمع الأخبار.”طارق ضغط على إيدها ببطء وقال: “هتعرفي الأخبار بكرة بالليل.. لأني هعدي عليكِ بعد الفرح عشان أحكيلك بنفسي.”وقبل ما نور تلاحق ترد، طارق غمز لها ومشي ورا أبوه، وساب نور واقفة في نص الاستوديو، قلبها بيدق بسرعة، وعارفة إن الرقصة دي.
. كانت مجرد البداية.#حكايات_شروق_خالد
مساء يوم السبت، المعادي كانت هادية والمطر خفيف خالص، مجرد رذاذ ناعم بيلمع تحت أضواء الفوانيس في الشارع. نور كانت قاعدة في الاستوديو بعد ما خلصت آخر حصة، القاعة فاضية والمزيكا شغال فيها صوت عود هادي. كانت بتعدل شريط المزيكا وهي كل شوية تبص في ساعتها.
الساعة كانت بتعدي ٩:٣٠ بالليل. كانت بتقول لنفسها إنها مش مستنية حد، وأن طارق غالباً اتلخم في الفرح مع عيلته ونسي، بس جواها كان فيه دقة قلب صغيرة بتقول غير كده. وفجأة، صوت عربية وقفت بره الاستوديو، وبعدها بثواني اتفتح الباب.
دخل طارق. المرة دي كان لابس بدلة سموكن سودا كاملة بكرافتة فراشة، شكله كان هيبة بشكل يلفت النظر، شعره متظبط ومطفي من قطرات المطر الخفيفة. كان ماسك في إيده علبة شوكولاتة فخمة، وعلى وشه ابتسامة دافية أول ما عينيه جت على نور.
“مساء الخير يا نور،” قالها بصوته الهادي وهو بيمشي ناحيتها. نور ابتسمت وربعت إيدها وهي بتبص لشكله: “مساء النور.. إيه الشياكة دي كلها؟ واضح إن الفرح كان جامد.”طارق حط علبة الشوكولاتة على الترابيزة وقرب منها: “الفرح كان ممتاز.
. بس الجزء الأهم فيه حصل من ساعتين بالظبط.””عم حسن؟” نور سألت بلهفة واهتمام. طارق ضحك وهز راسه بالإيجاب: “عم حسن كان نجم الليلة.. لما المزيكا اشتغلت، قام ومد إيده لبنت عمي، ورقص معاها فالس مفيش فيه غلطة واحدة. القاعة كلها وقفت تسقف، وبنت عمي كانت بتعيط من الفرحة.
. أبوي رجّع لكل العيلة ذكريات زمان.”نور حسيت بدفء غريب في قلبها، وعينيها لمعت: “أنا كنت عارفة إن عم حسن قدها.. هو جوا روح شابة جداً ومحتاجة بس اللي يشجعها.””أو محتاجة اللي يذكره بإزاي يرجع يعيش،” طارق قالها بنبرة عميقة وهو بيبص لها بتركيز.




