
إيدي وقفت مكانها، وفضلت باصصلها من ورا الشوال وأنا مش فاهم هي تقصد إيه بالظبط. قلت بهدوء: «أرجعك لمين يا زينب؟ هو أنا جبتك من عندهم عشان أرجعك تاني؟» ردت بصوت : «إنت لسه مشفتش… محدش شافني وعرف الحقيقة يفضل جنبي.
كلهم أول ما بيشوفوني». سكت شوية، وبعدها قلت: «أنا مش هحكم عليكي من شكلك، ولا هسمح لحد يمد إيده عليكي طول ما إنتِ في بيتي».رجعت أحاول أفك العقدة، ولما الحبل ارتخى أخيرًا، الشوال وقع على كتفها.
لكن أول ما شفت وشها، إيدي نزلت من مكاني، وحسيت إن نفسي اتسحب من صدري. كان وش زينب مليان قديمة وعميقة، جزء من خدها الشمال كان متشوه، وفيه ممتدة ناحية . لكن اللي صدمني مش شكل ، إنما …
كانت عيون بنت كتير، لدرجة إنها بقت مستنية من أي حد يقرب منها. غطت وشها بسرعة بإيديها وبدأت تعيط.«شوفت؟ شوفت أنا عاملة إزاي؟ عشان كده محدش بيحبني… عشان كده جابر ، وعشان كده سيد كان عايز يخلص مني بأي تمن».
قعدت قصادها على ركبتي، وقلت: «بصيلي يا زينب».هزت راسها بالرفض.«أنا مش عايزة أشوف الشفقة في عينيك… كفاية اللي شفته من الناس».قلتلها: «أنا مش ببصلك بشفقة، أنا ببصلك وبشوف واحدة اتظلمت واتعذبت، ولسه واقفة على رجليها رغم كل اللي حصلها».
رفعت عينيها ليا ببطء، وفضلت تبصلي كأنها أول مرة تسمع الكلام ده في حياتها. جبتلها طبق الشوربة وحطيته قدامها، وقلت: «كلي الأول، وبعدها احكيلي اللي إنتِ عايزة تحكيه. ومش هسألك عن حاجة مش حابة تتكلمي فيها».مسكت المعلقة بإيد مرتعشة، وأول ما داقت الشوربة، نزلت دمعة على خدها.
قالت بصوت واطي: «أنا بقالي أيام مكلتش أكلة سخنة». قلبي وجعني، لكن حاولت أخفي ده عنها. بعد شوية بدأت تحكي. قالت إن اسمها زينب عبدالسلام، وإنها اتولدت في قرية صغيرة في الصعيد.عندها عشر سنين، وبعد مـ,ـوته عاشت مع عمها سيد، اللي كان مسؤول عنها.
في الأول كان بيعاملها كويس، لكن بعد فترة بدأ يتغير، خصوصًا لما كبرت وبانت اللي في وشها.«دي حصلتلي وأنا صغيرة… البيت ولع، وأنا كنت جوه . محدش قدر ينقذني غير جارنا، بس النار كانت لحقت وشي».
سكتت ومسحت دموعها.«ومن يومها وعمّي بيقول إني عار عليه، وإن محدش هيتجوزني. ولما جاله جواب من جابر المنشاوي، قال أخيرًا هيخلص مني».سألتها: «وجابر ده كان يعرف شكلك قبل الجواز؟» ضحكت ضحكة حزينة وقالت: «كان عارف إني عندي ، بس عمّي بعتله صورة قديمة ليا قبل ، وقاله إني جميلة وبنت أصول».
إيدي من .«يعني عمك ضحك عليه وضحك عليكي؟» هزت راسها.«ولما جابر شافني، زعق وشتـ,ـمني، وقال إني خدعته. وبعدها رجعني لعمّي، لكن عمّي رفض ياخدني وقال إنه صرف عليا فلوس السفر ولازم أعوضه».بصيتلها وسألتها: «وبعدين؟
قلتلها: «يبقى مش هترجعي له. هنا عندك مكان آمن، ولما تحبي تقرري مستقبلك، القرار هيكون قرارك إنتِ».في اللحظة دي، زينب بدأت بشكل هستيري، وفضلت تردد: «أنا مش مصدقة… مش مصدقة إن فيه حد ممكن يساعدني من غير ما يطلب مني حاجة». قمت جبتلها بطانية زيادة، وحطيتها على كتفها.
لكن قبل ما تقوم من على الكرسي، مسكت إيدي فجأة. وشها اتغير، وعينيها اتملت .«صابر… فيه حاجة لازم تعرفها».بصيتلها وقلت: «إيه هي؟ » قربت مني وهمست: «عمّي سيد مش مجرد راجل باعني… ده عارف إن أبويا سابلي حاجة مهمة قبل ما يمـ,ـوت، وهو مستعد يعمل أي حاجة عشان ياخدها مني».
وقبل ما أقدر أسألها عن الحاجة دي، سمعنا صوت على باب البيت. ثلاث خبطات ورا بعض. وبعدها صوت راجل من بره صرخ: «يا صابر الكريدلي! افتح الباب… إحنا عارفين إن البنت عندك!» زينب شهقت ورجعت لورا، ووشها بقى أبيض من الرعب.
مسكت دراعي وقالت بصوت : «دول رجالة عمي… هو عرف مكاني!» لكن اللي خلاني أمسك مش مجرد إنهم وصلوا للبيت. اللي خلاني أستعد للمواجهة هو الصوت اللي جه بعد كده من ورا الباب: «سلّم البنت يا صابر… وإلا البيت عليكم إنتوا الاتنين!
بصيت لزينب، لقيتها بتترعش ومش قادرة حتى تقف على رجليها. حطيت البندقية على كتفي وقلت لها بصوت واطي: «ادخلي الأوضة اللي ورايا، ومهما حصل متخرجيش منها غير لما أقولك».مسكت إيدي وقالت: «أرجوك يا صابر، متخليش عمّي ياخدني.
.. ده مش عايزني أنا، ده عايز الحاجة اللي معايا».سألتها وأنا بجهز البندقية: «إيه الحاجة دي يا زينب؟» لكن قبل ما ترد، الباب اتخبط تاني بعنف. «افتح يا صابر! إحنا مش جايين نتكلم معاك!» قربت من الباب وقلت بصوت جهوري: «اللي عنده كلام يقوله يقوله من ورا الباب، إنما محدش هيدخل بيتي غصب عنه».
ضحك واحد منهم وقال: «إنت فاكر نفسك هتقدر تقف قصادنا؟ إحنا معانا رجالة بالسـ,ـلاح، وسيد أبو الدهب باعتنا ناخد البنت». رديت: «البنت مش راجعة معاكم».سمعت صوت خطوات بتتحرك حوالين البيت، وعرفت إنهم بيحاولوا يطوقوني من كل ناحية. رجعت لزينب، لقيتها فتحت صندوق خشب صغير كان جنب رجل الترابيزة.
طلعت منه قطعة قماش قديمة ملفوفة بعناية، وفكتها بإيدين بيرتعشوا. كان جواها مفتاح نحاس صغير وورقة قديمة مكتوبة بخط إيد. قالت: «دي الحاجة اللي أبويا سابهالي قبل ما يمـ,ـوت».خدت الورقة منها وبدأت أقرا. كانت عبارة عن اعتراف مكتوب من أبوها، بيقول فيه إنه اكتشف إن أخوه سيد كان بيسـ,ـرق أرض العيلة وبيزوّر عقود البيع، وإن فيه مستندات أصلية مخبيها في مكان محدش يعرفه غير بنته.
رفعت عيني ليها وقلت: «وعمك عارف إن الورقة دي معاكي؟» هزت راسها وقالت: «هو البيت كله بعد مـ,ـوت أبويا، بس ملقاش المفتاح. ومن يومها وهو بيحاول يعرف أنا مخبياه فين».فهمت ساعتها ليه الراجل ده كان مستعد يبيع بنت أخوه بعشرة جنيه، وليه كان عايز يتخلص منها بأي طريقة.
هو مكانش عايز يبيعها وبس… كان عايز يسكتها للأبد. وفجأة، سمعنا صوت من الناحية التانية. لفيت بسرعة، ولقيت واحد من الرجالة بيحاول يدخل من الشباك. رفعت البندقية وصرخت: «اطلع بره قبل ما أضطر أستخدمها!
» الراجل اتراجع، لكن في نفس اللحظة الباب الأمامي اتفتح بعنف بعد ما خبطوا فيه بكتفهم. دخل سيد أبو الدهب ومعاه تلات رجالة. كان ماسك عصاية غليظة، ووشه مليان غضب. أول ما شاف زينب، صرخ: «إنتِ فاكرة إنك هتهربي مني يا بنت أخويا؟
هاتي المفتاح والورقة!» وقفت قدام زينب وقلت: «مش هتاخد منها حاجة».بصلي باحتقار وقال: «إنت مالك؟ أنا اللي ربيتها، وأنا اللي صرفت عليها، ومن حقي آخد اللي يخصني».ضحكت بسخرية وقلت: «إنت ربيتها؟ ده إنت بعتها في السوق زي البهايم!



