
مال مجدي برقبته لورا، وتنفس بصعوبة كأن الأكسجين خلص من العربية، وقال بصوت مليان خوف وقهر: “والله العظيم يا مراد بيه أنا ما كنت أعرف إنهم هيغيبوا بالطريقة دي… أنا كل الحكاية إنها كانت خطة لأخذ أوراق مهمة من مكتبك في الفيلا، وإبعادك أنت شخصيا أو تغييبك عن لفترة… بس فريدة هانم والطفل هم اللي ركبوا العربية بالغلط في اللحظة دي!”
مسكت دراعه بقسوة وضغطت عليه أكتر لدرجة إنه عيط من الوجع، وصرخت فيه بصوت هجّن سكون الليل: “انطق.. خلص.. مين اللي أمر بالخطة دي؟ مين اللي تجرأ يلعب اللعبة دي معايا؟”
غمض عينه بقوة، وقال بصوت واطي ومرجوف: “اللي دفع لي… واللي كان بيدبر كل خطوة من وراء الستار… هو شريكك القديم… عاصم الهواري!”
اسم “عاصم” نزل عليا كالصاعقة. عاصم.. اكتر شخص كنت بؤتمنه على كل أسراري وشغلي، وكان بيظهرلي الحزن والوجع أكتر مني يوم الحادثة!
ضحكت بصرخة مسلوبة من الجنون، وبصيت لصبري اللي عيونه اتسعت بصدمة بالغة، وقلت بصوت هادئ ومخيف: “عاصم الهواري إذن… تمام أوي. شكراً يا مجدي إنك ريحتني من التفكير.”
قبل ما مجدي يلحق يتكلم أو يبرر تاني، بصيت لصبري وأديت إشارة واحدة بعيني. العربية انحرفت ببيانات السرعة، وطريقنا مكنش راجع البيت.. طريقنا كان على قصر عاصم الهواري، حيث النهاية اللي مستنياه من سنتين.
كانت الساعة تخطت الثالثة الفجر، لكن الشوارع كانت فاضية كأنها حاسة باللي جاي. العربية سابت زحمة إمبابة وانطلقت على طريق المعادي حيث قصر عاصم الهواري المحاط بالأسوار العالية والأشجار الكثيفة. طول الطريق، مجدي كان بيترعش في ركن العربية، بيعيط ويدعي ويحلف إنه ما كانش يقصد، وصبري قاعد جنبه بيبص له بنظرات حادة تكفي توقفه من غير أداة.
أما أنا، فكنت قاعد في الصمت.. صمت أبرد من الجليد. عقل بيعيد شريط السنتين اللي فاتوا؛ كل دمعة نزلتها، كل ليلة قضيتها وأنا بلف حوالين نفسي وجعاً على فريدة ويوسف، وكل مرة كنت بشوف فيها عاصم بيطبطب عليّا بحنان مزيف، ويقول لي “اصبر يا مراد، العمر قدامك وأنا أخوك”. طلع الرجل بيطبطب على الضحية اللي هو بنفسه أوقعها!
وقفت العربية على بعد مية متر من بوابة القصر الكبيرة عشان ما نلفتش الانتباه. نزلت، وفتحت باب العربية وجريت مجدي من ياقة قميصه رميته على الأسفلت قدامي.
“انزل يا قليل الأدب.. اتفضل، القصر بيناديك.”
مشيت وراه بخطوات ثابتة ومرعبة، وصبري ورانا بعدته المجهزة لأي مفاجأة. الحارس اللي على البوابة حاول يوقفنا، بس نظرة واحدة من عيوني كفت عشان يبلع ريقه ويرجع لورا مكسور الهيبة، فدخلنا من البوابة الجانبية لحد ما وقفنا قدام باب القصر الرئيسي.
رفعت رجلي وزقيت الباب الخشبي الضخم بكل قوتي ففتح على وسعه بصوت عالي كسر سكون المكان.
الأنوار كانت مطفية، مفيش غير إضاءة خافتة جاية من الصالون الكبير اللي في الدور الأرضي. مشيت على الممر الرخامي، وخطواتنا كانت بصدى بيملأ المكان، لحد ما وصلنا للصالون.. وهناك، لقينا عاصم الهواري قاعد على كرسيه الجلدي الفاخر، لابس روب الحرير، وفي إيده كاس عصير، بيضحك مع نفسه كأنه بطل في رواية نهايتها سعيدة.
أول ما شافني واقف قدامه، وفوق راجل الإسعاف أو السواق اللي مفروض إنه “غاب” عالق، الكاس سقط من إيده واتكسر لمية حتة على الأرض. لون وشه خطفه الخوف، وعيونه جحظت كأنه بيشوف عفريت خارج من الجحيم.
“مـ… مراد؟! إنت… إزاي؟!” قالها وهو بيقوم من مكانه بترعش، ورجليها مش شايلتاه.
قربت منه بخطوات بطيئة، وشديت كرسي وقعدت قدامه بكل برود، وحطيت رجل على رجل، وبصيت له بعيون بتطلع شرار، وقولت بصوت هادئ ومخيف جمد الخوف في عروقه:
“أهلاً يا صاحبي.. مستغرب ليه؟ هو مش المفروض الغائبين ما بيرجعوش؟ ولا كنت فاكر إنك أخذتني معاهم وخلصت ضميرك يا عاصم؟”
#حكايات_شروق_خالد
حاول عاصم يبلع ريقه اللي نشف في حلقه، وابتسم بابتسامة صفراء باهتة وهو بيحاول يستجمع تماسك مزيف: “مراد.. يا حبيبي.. إنت بتقول إيه؟ أكيد في سوء فهم.. مين ده؟ وإزاي تقول كده عني وانا أخوك اللي واقف جنبك طول السنين اللي فاتت؟”
قمت من على الكرسي ببطء، وخطيت نحوه خطوتين جعلته يتراجع لورا لحد ما خبط في الحيطة. مسكته من ياقة روب الحرير الفاخر، ودفعته دفعة قوية في كتفه خلاه يقع على الأرض وهو بيتوجع وبيصرخ من الوجع.
“أخويا؟!” صرخت بيه لدرجة إن جدران القصر اتهزت. “اللي بيغدر بأخوه وبيلعب في حياة مراته وابنه عشان الفلوس والشركات.. ملوش أخوة، ومالوش مكان فوق الأرض أصلاً!”
بص عاصم لمجدي اللي كان واقف مرعوب ورا صبري، ونفخ فيه بصوت مليان غضب وخيبة أمل: “يا غبي.. يا قليل الأدب، بعتني بالسرعة دي؟!”
رد مجدي بصوت مرجوف وعيونه مليانة دموع: “سامحني يا عاصم بيه.. الباشا كان هيودعني حي، مكنش قدامي حل تاني!”
التفتّ لعيون عاصم اللي كانت بتلمع بالخوف، ونزلت لمستواه وأنا ماسك يدي وبحطها على جبهته مباشرة. السكون اللي في الغرفة كان خانق لدرجة إن صوت أنفاسنا الثلاثة كان بيملأ المكان.
“اللعبة خلصت يا عاصم،” قلت بصوت هامس وثابت كالجبل. “ودلوقتي.. دورك تسأل نفسك، تحب تروح لفريدة ويوسف بنفس الطريقة اللي بعتهم بيها.. ولا أسيبك تعيش الرعب اللي عشته سنتين كاملين؟”
ارتجف جسد عاصم تماماً، وانهار على ركبتيه وهو بيضم إيديه بانهيار: “أرجوك يا مراد.. متسيبنيش! أرجوك.. أنا مستعد أتزل لك، وأتنازل لك عن كل أسهمي، وكل أملاكي، وكل مليم في حساباتي.. اكتب كل حاجة باسمك، بس سيبني أعيش!”
ضحكت بتهكم وسخرية، ورجعت خطوة لورا وأنا باصص له بنظرة تشمئز منه، وقلت: “فلوسك؟ وممتلكاتك؟ فاكر إن الدنيا كلها تتباع وتتشترى بالفلوس يا عاصم؟ فاكر إن تمن حياة مراتي وابني شوية أسهم في البورصة؟!”
صبري قرب مني وقال بصوت هادئ ومنخفض: “يا باشا، حبسه هنا هيوسخ ايديك وهيخلينا ندخل في سكة طويلة، القانون ممكن يجيبه بالطريقة الصح.. ومجدي مستعد يشهد عليه في كل حرف وكل تحويل بنكي.”




