
بصيت لعاصم اللي كان متبهدل على الأرض، وعرفت إن حبسه وذله وإنه يخسر كل ممتلكاته ويغيب كل يوم ألف مرة وهو وراء القضبان، أهون بكتير من إني أوسخ إيدي بسببه.
نزلت يدي، وقلت بصوت حاسم وجامد: “صبري.. اربط الرجل ده، وابعته على المخزن القديم تحت حراسة مشددة، ولحد الصبح، هيكون الجهات والنائب العام عندهم كل التسجيلات والمستندات اللي تدينه.. وأنت يا عاصم، هتعيش بقية عمرك في غرفة مظلمة، تفتكر فيها اللي عملته، وتتمنى الراحة كل ساعة وما تطولهاش.”
سندت مجدي من على الأرض، وبصيت لعاصم نظرة الأخيرة، وخرجت من القصر الفخم وأنا حاسس إن تلتين الوجع اللي في قلبي بدأ يتزاحم مع النور اللي رجع لعينيا.. لسه الجرح طويل، ولسه الحكاية فيها بقية، بس الحق رجع لأصحابه.
#حكايات_شروق_خالد
رجعت البيت وأنا حاسس إن جبل هائل كان على صدري وانزاح. صحيح فريدة ويوسف مش هيرجعوا، وصحيح الوجع جوه قلبي مش هيختفي في يوم وليلة، بس فكرة إن حقهم رجع وإن الغادر نال عقابه ريح جزء كبير من روحي.
دخلت الفيلا، وكانت الدنيا هادية جداً. طلعت على أوضتي، وقعدت على السرير وأنا باصص لصورهم المعلقة على الحيطة. حسيت إن روحهم حواليا بتطبطب عليا، ولأول مرة من سنتين أحس بطعم النوم الحقيقي من غير كوابيس مزعجة.
وفي الصباح، بدأ صبري ينفذ كل حرف طلبته؛ الملفات، التسجيلات الصوتية لاعترافات مجدي، ومستندات التحويلات البنكية اللي تدين عاصم، كلها راحت للجهات المختصة. خلال ساعات معدودة، كانت قوات الجهات بتحاصر قصر عاصم الهواري، وبتسحبه وهو منهار وكل إمبراطورياته بتنهار قدام عينيه، عشان يدخل الحجز ويواجه حكم الجزاء أو العقاب اللي يليق بأخطائه.
مرت الأيام، ورجعت لإدارة شغلي وشركاتي بس بروح ثانية، وبنفس راضية ومستعدة تبدأ صفحة جديدة.
وفي يوم جمعة جديد، لقيت نفسي بفتح باب العربية وبنزل من تاني في حديقة الأزهر.. مش عشان أدور على أشباح الماضي، بل عشان أقفل الدائرة صح. وأنا ماشي بين الأشجار والخضرة، لمعت في عيني بعيد بنت صغيرة قاعدة لوحدها على كرسي خشبي ومعاها رقعة شطرنج.
قربت منها بخطوات هادئة، فوقفت قدامها. رفعت راسها وبصت لي بابتسامة بريئة وقالت: “تلعب دور يا عمو؟”
ابتسمت لها بحنان، وطلعت ورقة بمال كافي يغير حياة طفلتها وأهلها، ومديت إيدي بالحصان البرونزي اللي كان سبب المعجزة دي كلها، وقلت لها: “لأ يا جميلة.. بس حافظي على حصانك ده كويس، عشان القطعة دي بتجيب معجزات.”
سابت الشطرنج وخدت الحصان وهي بتضحك بفرحة، وأنا استدارت وبصيت للسما الصافية، وحسيت أخيراً إن النور دخل قلبي قبل عيني.. وعرفت إن اللي جاي، أخيرًا، بقى منور وجميل.
حصان من عتمة الماضي
حكايات شروق خالد




