
مرت السنين…
نور ومريم كبروا سوا، دخلوا الثانوية العامة وكانوا بيذاكروا على نفس الترابيزة اللي مريم كانت بتاكل عليها أول مرة وهي خايفة ومكسوفة.
بفضل ربنا ثم الوقفة اللي وقفتها العيلة معاهم، والد مريم حالته استقرت تماماً، وأخيراً بقى بياخد علاجه في مواعيده بانتظام من غير ما يشيل هم مصاريف الغسيل أو فواتير العلاج. وشه رجعت فيه الروح، وبقى يقدر يشتغل شغلة خفيفة يقدر منها يكفي بيته وهو مرتاح البال ومرفوع الراس.
وفي يوم ظهر نتيجية الثانوية العامة…
البيت عندنا كان ملموم، والكل قاعد ومسكين أيدين بعض، القلق كان مالي المكان.
وفجأة، نور صرخت من الفرحة: “مريم جابت 96%! مريم دخلت طب!”
البيت كله اتقلب زغاريد وفرحة. مريم ما صدقتش نفسها، اترمى في حضن أباها اللي دموعه نزلت وهو بيحمد ربنا وبيقولها: “حققتي حلمي يا بنتي… تعبك ما راحش هدر.”
بعدها مريم لفت وبصت لي، وقربت مني وحضنتني جامد وهي بتبكي وتقول: “لو ماكنتيش فتحتي لي باب بيتك في الليلة دي يا طنط، ولو ماكنتيش مسكتِ إيدي وطمنتيني لما الشنطة وقعت… ماكنتش هكون هنا النهاردة.”
مسحت دموعها وقلت لها: “أنتِ اللي صنعتِ نفسك يا مريم بجدعنتك وعزة نفسك.”
وبالفعل، مرت سنوات الكلية، ومريم اتخرجت وبقت دكتورة قد الدنيا. بس أجمل حاجة عملتها إنها بعد ما اتخرجت، فتحت مع أطباء زمايلها عيادة خيرية مخصوص لمساعدة المرضى اللي غير قادرين، وكان أباها بياخد العلاج فيها وهو قاعد وسطهم معزز مكرم.
والشنطة القديمة اللي كانت شايلاها وهي صغيرة؟ مريم ما رمتهاش… فضلت شايلاها وحطاها في مكتبها في العيادة، عشان تفتكر دايماً إن الجدعنة وجبر الخواطر ممكن يغيروا حياة إنسان بالكامل.
#حكايات_شروق_خالدوفي يوم الافتتاح الكبير للعيادة الخيرية، المكان كان مليان زهور وناس بسيطة جاية تدور على أمل.
مريم كانت واقفة بلابسه البالطو الأبيض الجديد، وجنبها نور وأباها، وأنا وجوزي كنا واقفين بنبص عليها بفخر ما يتوصفش.
وقبل ما تقص شريط الافتتاح، مريم مسكت الميكروفون وبصت للناس، وقالت بصوت مليان ثبات ودفء:
“العيادة دي مش مجرد مكان للعلاج… العيادة دي اتأست بفضل لقمة حلال، وباب اتفتح لي وأنا مالياش حد، وعيلة صدقتني في الوقت اللي كنت فيه مجرد طفلة خايفة شايلة هم أكبر منها. أنا هنا النهاردة عشان أرد الجميل، وأفكر كل واحد إن الجدعنة وجبر الخواطر ما بيموتوش.”
الناس كلها سقفت، ودعوات المرضى كانت مالية المكان.
وأنا واقفة وببص لمريم وهي بتكشف على أول مريض وتطمنه وتكتب له الدوا بالمجان، افتكرت الليلة اللي نور جابتها فيها البيت لأول مرة، وافتكرت لما كنت بقسم الأكل وبقول: “نوايب أقل ورز أكتر”…
وساعتها بس أدركت الحقيقة الكاملة: الأكل اللي قدمناه لمريم زمان ما نقصش من بيتنا حاجة، ده كان السبب إن ربنا يبارك لنا في كل حاجة نملكها، وإن اللقمة اللي بتطلع بصدق وعزة نفس، ممكن تبني إنسان وتغير مصير عيلة بحالها للأبد.




