منوعات

تورتة ج1 حكايات شروق خالد

خبّازة اتجبرت تسمّم زعيم مافيا في يوم عيد ميلاده عشان تنقذ أخوها—بس لما اعتذرتله واعترفتله بالحقيقة بقلب مكسور، اتفاجأت إنه كان مستني الخيانة دي بقاله شهور… وسألها سؤال واحد غيّر كل حاجة.

الريحة كانت أول حاجة تخبط في مناخيرها—قرفة مع سكر ، الريحة اللي معناه إن الصينية اللي في أخر الفرن فاضلها بالضبط تلاتين ثانية وتتحرق. مريم ما بصلتش حتى وهي بتمسح الفاترينة الإزاز. إيديها حافظة التوقيت أكتر من عينيها. سبع سنين ورا الكاونتر ده علموا مريم إن المطبخ له دقات قلب خاصة بيه، ودقات قلب مطبخها عمرها ما عطلت أو جهلت ثانية.

بس كل ده كان هيتغير الليلة دي.

كان في دقيق تحت أظافرها، وحافظة في سرها أرقام المحصلين والديوانين زي المسبحة بقالها ست شهور، من غير ما تقول لحد.. لا لصحاب البيت، ولا لأخوها كريم اللي ما يعرفش إنها عرفت، ولا حتى للزبونين اللي لسه طالعين بحلويات وقالولها زي ما الناس بتقول دايماً: “المخبز ده تحسيه صالون بيتنا التاني.”

اللي محدش في المنطقة كلها يعرفه عن مريم، إنها قضت حياتها كلها بتبني شغلها من حاجات تقدر تقيسها وتثق فيها—دقيق لمية، سكر لزبدة، فرن لتك تاك تايمر—عشان بقية حياتها، الجزء اللي فيه أخوها كريم، عمره ما كان مضموم ولا ينفع تتثق فيه.

الساعة كانت تسعة واثنين وخمسين بالليل، لما واجهة المحل الإزاز اتقرقعت واتفتت لجوة.

مش اتكسرت عادي.. دي انفجرت! الإزاز اترمى على البلاط زي المروحة، يلمع تحت نور عمود النور بره زي التلج. مريم ما صرختش، بس جسمها رمى القماشة اللي في إيدها ورجعت لورا بالفطرة، لحد ما ضهرها خبط في الفاترينة وجعها.

تلت رجالة دخلوا من المكان اللي كان فيه باب. المطر دخل معاهم، وتحت المطر.. ريحة أقذر—ريحة عفرة، دم، وزفارة المعدن اللي مريم بعد اليوم ده مش هتقدر تشمها على سكينة أو عملة من غير ما نفسيتها تقلب.

اتنين من الرجالة كانوا بيجروا واحد تالت من ياقة جاكتته، وأخدت ثانية كاملة—ثانية مرعبة ومربكة—عشان تتعرف على وش أخوها تحت الورم والضرب.

“كريم—”

“إياكي.” إيد أد صينية العشا مسكت دراعها قبل ما تتحرك. الراجل صاحب الإيد كان في وشُه ندبة بطول فكه، وعينيه بتقول إنه عمل الحركة دي ملايين المرات لدرجة إنه مكسل يعد.

وراه، وبكل برود، راجل رابع دخل من الباب المكسور وكأنه صاحب الجو كله. كان أصغر من اللي تتوقعه لواحد بالخطورة دي—في أوائل الأربعينات، لابس بدلة متفصلة بالسنتي وكأنها متصوبة عليه صب. بص للمخبز زي التاجر اللي بيبص لقطعة ألماظ ناهيها ونواي يشتريها برخص التراب.

“آنسة مريم،” قالها. “أنا فاروق الباشا.. أظن سمعتي الاسم ده قبل كده.”

سمعته طبعاً. أي حد في المنطقة يعرفه. فاروق الباشا هو الراجل اللي طموحه شقلب عالم العصابات بقاله سنتين—بهدوء، وبصبر، زي راجل بينقل العفش في بيت ناوي يكتبه باسمه.

“أخوكي،” كمل فاروق وهو بيبص لكريم بقلة اهتمام، “عنده هواية لعب قمار بأرقام مش بتاعته. ربع مليون جنيه لحد يوم الجمعة. وما أظنش الرقم ده تحت الكاشير عندك.”

“خد المحل،” مريم قالتها وصوتها بالعافية طالع. “خد كل حاجة فيه. ما حيلتناش فلوس، بس في معدات، في—”

“أنا مش عايز معداتك.” نبرة فاروق ما اتغيرتش، وده كان أرعب من إنه يزعق. “أنا عايز حاجة إنتي بس اللي تقدرِي تديهالي.”

وبدأ يشرحلها بهدوء، زي راجل بيوصف حالة الجو: بكرة بالليل، جلال السيوفي—كبير العيلة المافياوية الوحيدة اللي واقفة في طريق فاروق—هيحتقل بعيد ميلاده الـ ٣٦ في قصره بره المدينة. جلال ده مشهور ومجنون بحاجة واحدة بتنزل على الترابيزة كل سنة من غير كلام: تورتة اللوز بكريمة الأماريتو، ما بتعملش غير في محل مريم، بطلب ثابت بقاله شهور من سكرتير عمره ما قال اسمه الحقيقي.

“إنتي هتبقي في المطبخ ده بكرة،” فاروق قالها. “وهتتأكدي إن السيد جلال عمره ما يشوف عيد ميلاده الـ ٣٧.”

طلع إزازه سم صغيرة من جيب جاكتته. السائل جوة كان شفاف، لزج، بيلقط الضوء بطريقة المية عمرها ما بتعملها.

“عشرين دقيقة،” فاروق قالها وهو بيمددها ناحيتها زي الهديّة. “قلبه يوقف ببساطة. الدكتور بتاع الطب الشرعي هيكتب كلمة تبدأ بـ ‘طبيعي’. ومحدش هيقعد يدور عليكي.”

ضهر مريم خبط في الكاونتر تاني، المرة دي بالقصد عشان تبعد إيدها عن الإزازة. “أنا خبّازة،” قالتها. “أنا مش… مش هعمل كده.”

فاروق ما رفعش صوته. ما كانش محتاج. هو بس هز دماغه للراجل أبو ندبة، اللي طلع طبنجة من تحت جاكتته بحركة سريعة جداً، وحط بوز المسدس دايركت في قفا كريم.

أخوها طلع صوت هيفضل يرن في أذنها بقية حياتها—مش صرخة، حاجة أصغر وأقذر، صوت هواء بيطلع من جسم خلاص سلم واستسلم.

“ده مش تفاوض يا آنسة مريم،” فاروق قالها بهدوء وهو بيقرب منها. “دي أوامر. هتجهزي التورتة دي. وهتفضّي الإزازة دي جوة كريمة الأماريتو قبل ما تحطي الوش اللمّاع. اعملي كده، ودين أخوكي يتدفن مع السيد جلال. فوقيها مية ألف جنيه وتذكرتين لالشبونة مستنيينكم إنتو الاتنين.”

قرب منها لدرجة إنها شمت ريحة لبان النعناع اللي بيحاول يغطي على ريحة الويكسي وما كانش نافع.

“ارمي ورا ضهرك،” كمل وقال: “وأوعدك إنك هتتفرجي على اللي رجالتي هيعملوه فيه قبل ما نولع في المكان ده فوق دماغكم أنتوا الاتنين.”

مسك إيدها—كانت متلجة لدرجة إنها ما قدرتش تسحبها—ولف صوابعها المتكتفة حوالين الإزازة بنفسه.

“اخبزي حاجة حلوة،” فاروق قالها وهو بيرجع لورا في الضلمة واللمعان بتاع المطر بره. “حياته دلوقتي بقت بين إيديكي بتمـامها.”

اختفى قبل ما مريم تلاقي صوتها تاني، والصوت الوحيد اللي فضل في المخبز المتدمر كان نفسَها هي، ونفس أخوها، وتنقيط المطر البطيء المرعب من الفراغ اللي كان باب في يوم من الأيام.

#حكايات_شروق_خالدطول الليل مريم ما غمضتش عينها.

كانت واقفة في مطبخ المخبز المكسور، المطر بره بيهدى والبرد بياكل في جسمها، وإيدها بتترعش وهي بتوزن الدقيق والسكر.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى