روايات وقصص

الفطار الأخير ج1

كان ملياردير مريّش بنى حياته كلها على التحكم والقواعد والقعدة لوحده، بس فطار واحد مش في الحسبان عملته أم مطلقة ومزنوقة ضنك كشفله الحاجة الوحيدة اللي فلوس الدنيا كلها ما تشتريهاش. اللحظة اللي يوسف كمال بص فيها لابني قبل ما يبصلي، عرفت إن الانترفيو ده مش هيعدي زي ما كنت متوقعة خالص.

أول مرة قابلت فيها يوسف كمال، ما خدش باله مني أنا الأول. هو خد باله من ابني اللي عنده خمس سنين. وبطريقة ما، كان ده السبب اللي خلاني ألمس فرصة وما أترمش بره الباب.

سليم يادوب مشي تلات خطوات جوة الفيلا، وراح قاعد على حيله على الأرض الرخام البيضا، وبيمشي صباعه الصغير على عرق أسود ماشي في وسط الرخام. همستله: “سليم.. يا حبيبي قوم اقف عشان خاطر ربنا.” ما اتحركش ولا الهوا.

المدخل كان واسع أوي، وبارد، وساكت سكوت يخوف. صوت خطواتنا كان بيرن تحت نجفة أكبر من مطبخي كله اللي في شقتي القديمة. وبعدين شفته. كان يوسف كمال واقف فوق على أول السلم. عنده أربعة وتلاتين سنة. محامي شركات تقيل وواصل. صاحب مجموعة “كمال للحلول القانونية”. راجل ثروته معدية التلاتين مليون جنيه. وحسب كلام مكتب التوظيف، كان “بني آدم مقفول على نفسه زيادة عن اللزوم وطلباته تقيلة ومش أي حد يستحمله.”

كنت متوقعة ألاقي تناكة وقلة ذوق. بس شفت حاجة تانية خالص. سيطرة. شعره الإسود متسرح بالملي. عينيه الرمادي ما تفهمش منها حاجة. بدلة كحلي باين عليها الغلا من غير ما تحاول تبهر حد. ومافيش دبلة في إيده. ولا ابتسامة على وشه.

نزل السلم براحه خالص. عدلت وقفتي في ثانية. “أستاذ يوسف، أنا جيهان إبراهيم. جاية عشان شغلانة الشيف الخاص.” عينيه فضلت راشقة في سليم. “هو بيمد إيده على الأرض ليه؟” معدتي اتعصرت. “هو بيحب الأشكال المنتظمة والألوان.” “أنا ما بنتقدوش.”

يوسف قرب خطوة. سليم أخيراً رفع رأسه. وقال وهو بيشاور على الرخام: “الخط الأسود ده مقطوع هنا.” يوسف بص تحت رجليه. “أيوه.” “بس بادئ تاني هناك.” “صح.” “يبقى ما اتكسرش بجد.”

في حاجة اتغيرت في ملامح يوسف. أنا عارفة النظرة دي كويس. دي النظرة اللي الكبار بيبصوها لما سليم يقول حاجة بسيطة بس تلمس حتة مستخبيين فيها بقالهم سنين. يوسف بصلي أخيراً. “أنتي جايبة ابنك معاكي إنترفيو شغل؟” “اللي بتراعي ملقتش حد يجي ومواعيدها اتلخبطت.” “المكتب قالك إن ممنوع أطفال تدخل المكان.” “وقالولي برضه إن المرتب أربعين ألف في الشهر.”

رفع حاجب من حاجبيه. ندمت في ساعتها على النبرة المزنوقة اللي طلعت مني. بس الحوجة بتخلي الواحد يرمي كبريائه على جنب. كان فاضل في حسابي البنكي ربعمية جنيه بالعافية. والعربية محتاجة تيل فرامل. وإيجار الشقة متأخر بقاله حبة حلوين. وجلسات التخاطب وتعديل السلوك بتاعة سليم الدور عليها ست شهور في المستشفى الحكومي، إلا لو قدرت أدفع في مركز خاص. والتلاجة في البيت مافيهاش غير نص كيس لبن، وبيضتين، وشوية جزر، وعلبة مش، وأمل ضعيف إننا نعدي الأسبوع ده على خير.

قلت بصوت واطي: “كان ممكن أألف كدبة.. بس ما حبتش أبدأ بكده.” يوسف فضل يبصلي حبة حلوين. وبعدين لف وداضه. “المطبخ.” هي الكلمة دي بس. لا سلم عليا. ولا قال أهلاً. ولا حاول يطمني حتى.

مسكت إيد سليم ومشيت وراه. أول ما دخلت المطبخ، نفسي اتكتم. معدات عالية أوي، أفران دبل، حلل نحاس متعلقة بالمقاس على الحيطة، ورخامة تقطيع في النص قد أوضة النوم اللي بنام فيها أنا وسليم لما كوابيسه بتزيد بالليل.

يوسف قال: “الفطار الساعة سبعة. الغدا الساعة اتنين. العشا سبعة ونص. بالمظبوط.” “تمام.” “مافيش أغاني ولا مزيكا.” “موافق.” “مافيش ضيوف.” بصيت لسليم. يوسف خد باله. “ابنك استثناء النهاردة بس.” “فاهمة حضرتك.” “مافيش رغي مالوش لازمة.”

كنت هبتسم أو أضحك. تقريباً. بس شفت وشه. كان بيتكلم بجد ومفيش هزار. “أنت بتحب الهدوء أوي.” “أنا بحب الحاجة تبقى ماشية بالمسطرة وتتوقع.” الطريقة اللي قال بيها الكلمة خليتني أقف مكاني. دي مش مجرد مزاج. ده كان احتياج.

سألته: “إيه الأكل اللي بتكرهه أو بتتجنبه؟” “أي حاجة ممكن تتعمل بشرط أكون مراجعها وموافق عليها الأول.” “عندك حساسية من حاجة؟” “لا.” “قوام الأكل؟” فك أسنانه اتشد شوية. أنا خدت بالي. “قوام الأكل بيبايقك.” “بحب الأكل يبقى ملمسه ثابت ومش معجون في بعضه.” كان في حاجة مستخبية ورا الكلام ده. حاجة ماكنتش فاهمة أصلها إيه لسه.

“طب بالنسبة للبهارات؟” “خفيفة جداً.” “الصوصات؟” “بره الأكل.. على جنب.” “حاجات متقلبة على بعضها؟” يوسف بصلي. ولأول مرة أخد بالي إنني ماكنتش باخد طلبات أكل. أنا كنت بتعلم القواعد بتاعة بني آدم قضى حياته كلها بيبني سور عالي حوالين نفسه. وماكنتش أعرف إن فطار واحد بسيط هيبقى أول خبطة تكسر السور ده.

مسكت نفسي بالعافية، وحاولت أركز في الشغلانة اللي قدامي. القوانين كانت صارمة، والمكان كله يوتر، بس عينيا على الـ 40 ألف جنيه وعلى سليم. وقف يوسف يبص على الساعة الدهب اللي في إيده وقال: “قدامك نص ساعة. تحضري فطار ليا، ولابنك لو حابب. أنا هكون في المكتب فوق.”

سابنا ومشي، وصوت خطواته الرزينة كان بيهدى بالتدريج لحد ما اختفى. أنا وسليم فضلا واقفين في المطبخ اللي شبه المطبخ الإيطالي بتاع الفنادق. فتحت الثلاجة الضخمة.. كانت متستفة أكل يفتح النفس، بس كل حاجة محطوطة بالمسطرة، العلب شفافة ومترتبة بالألوان، كان بيني وبين نفسي بقول: “الراجل ده بياكل القواعد وبينام عليها!”

افتكرت كلامه عن الأكل: “مش معجون في بعضه.. الصوص بره.. ملمسه ثابت.” الكلام ده كان معناه إنه ما بياكلش الأكل التقليدي اللي فيه لخبطة ولا المسبكات. ده أسلوب بني آدم عنده حساسية شديدة من القوام، زي الحس الحسي اللي عند سليم بالظبط!

سليم قعد على الكرسي المرتفع بتاع المطبخ، وكان ساكت ومبتسم، بيبص على النور اللي مدخلة الشباك الكبير. طلعت بيض طازة، وتوست أبيض، وشوية توست بني، وزبدة بلدي صفرا، مع كمية خضار طازة (طماطم شيري، خيار، أفوكادو).

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى