روايات وقصص

ردّ الاعتبار ج2

مسكت حرف الطاولة بإيدي الترعش، ورجليا كانت هتشيلني بالعافية بعد ما الظباط مشيوا بعبد العظيم ورجالته. بصيت لرشدي الجبالي اللي كان واقف بثقة تجيب الذهول، كأنه كان عارف السيناريو ده ومترتب في دماغه خطوة بخطوة من قبل ما نطلع من المكان.

— أنت كنت عارف إن عبد العظيم هيجيب المباحث لحد هنا؟

طلعت مني النبرة بالراحة، وأنا مستوعبة إن كل كلمة قالها رئيس المباحث كانت مبنية على لعبة رشدي طرف فيها. رشدي قعد على الكرسي تاني، وشد نفس طويل، وحمزة جاب له كوباية الشاي وولعها في ثانية:

— عبد العظيم جبان يا فرح.. والجبان لما بيزنقه الشارع، بيجري يستخبى في حماية الحكومة وفاكر إنه كده بيعلّم عليا. بس هو نسي إن الشارع له أصول، وإن اللي يرفع أداة في الغدر، لازم ينضرب بأداته.

قربت خطوتين وقفت قدامه، وعيني جت في عينه بثبات:

— أنا شهدت معاك عشان مش بحب الغدر، وعشان شفت الراجل بتاعه وهو بيمد إيده يطول أداة التهديد أول واحد.. بس أنا ليا شرط قبل ما أخطو أي خطوة ثانية في السكة دي.

رشدي رفع حاجب واحد وابتسم ابتسامة خفيفة فيها تقدير:

— شرط؟ كملي يا دكتورة.. رشدي الجبالي بيسمع.

— أمي تتنقل المستشفى بكره الصبح، ويبقى ليها رعاية كاملة بإشراف دكاترة كبار، وأنا اللي أتابع حسابات العلاج قرش بقرش.. وأي شغل هعمله معاك، هيكون في النور وبس، مالياش دعوة بأي حاجة تانية.. أنا حكيمة وبفهم في الأرقام والتنظيم، غير كده، أنا برة اللعبة حتى لو الشارع كله بيدور عليا.

رشدي حط كوباية الشاي من إيده، ووقف وشده طوله، وقرب مني لحد ما بقى بيني وبينه خطوة واحدة. بصلي بجدية وحزم:

— أمي الله يرحمها قالتلي كلمة زمان: “الست اللي تعرف تفرض شرطها وأنت في عز قوتك، دي اللي تعمل لها ألف حساب.” اتفقت معاكي يا فرح.. من بكره، إنتي مش بس ماسكة الحسابات.. إنتي اليد الأمينة على كل قرش وكل ورقة يدخلوا ويروحوا في مؤسسات الجبالي. وأمك هتكون في أحسن رعاية طبية في مصر، وعلى ضمانتي الشخصية.

مرت الأيام والأسابيع بسرعة، وفي خلال شهر واحد، الدنيا اتغيرت تماماً. أمي اتنقلت لمستشفى استثماري كبير، وصحتها بدأت تتحسن بفضل الرعاية، وأنا سبت الشغل المجهد، ومسكت مكتب إدارة الحسابات والتنظيم لمقاولات ومعارض رشدي الجبالي.

اكتشفت إن رشدي مش مجرد معلم في السوق، ده كان بيمتلك إمبراطورية تجارية ضخمة في مصر القديمة وبولاق والمقطم، بس كان نص شغله ضايع بسبب السرقة واللخبطة من الرجالة اللي حوليه. بفضل دراستي وتنظيمي، قدرت في خلال ست شهور أرجع له ملايين كانت ضايعة، ونظفت الحسابات من كل قرش شمال.

في يوم، كنت قاعدة في المكتب الكبير في المعرض الرئيسي، قدامي أوراق وميزانيات السنة الجديدة. دخل رشدي وهو لابسي بدلة كلاسيك فاخرة، ومن غير مظاهر الشارع، وشايل في إيده ملف أسود حطه قدامي على الطاولة.

— إيه ده يا معلم؟ سألته وأنا بفتح الملف.

— دي أوراق شركة الرعاية والتوريدات الطبية الجديدة اللي كتبتها باسمك يا فرح.. شراكة بيني وبينك بالنصف.

بصيت للأوراق وبصيتله بذهول:

— شراكة؟ بس أنا ما دفعتش رأس مال!

رشدي ابتسم ابتسامة دافية وقعد قدامي:

— رأس المال الحقيقي كان صباعك اللي اتمد في صدري في أضعف لحظة، وعقلك اللي حمى شغلي ورجعلي هيبتي في السوق. الفلوس بتروح وتيجي يا فرح.. بس الناس اللي ينفع نأمنهم على أرزاقنا وأرواحنا، دول ما يتقدروش بمال.

مسكت القلم وأنا حاسة بدموع الفرحة في عيني، ووقعت على الأوراق.. ورجعت بذاكرتي لليلة عيد ميلادي الستة وعشرين، وعرفت إن أوقات أصعب الوجعات والأزمات، بتكون هي الباب اللي بيفصله ربنا عشان يغير حياتنا للأحسن.

مرت الأيام والسنوات، والشركة الجديدة بقت واحدة من أكبر شركات التوريدات الطبية في مصر. قدرنا نربط بين الخبرة الميدانية اللي اتعلمتها في الشارع، وبين العلم والشهادة اللي كملت دراستي عشان أطورها. أمي رجعت البيت وصحتها بفضل الله وبفضل رعاية الدكاترة بقت زي الفل، وقعدت معززة مكرمة في شقة جديدة ملك، من غير ما تشيل هم جنيه واحد ولا تخاف من بكره.

أما المعلم رشدي الجبالي، فالشارع كله لاحظ التغير اللي حصل فيه. بقى شغله كله في النور، ورمى وراه سكة القسوة والمشاكل، واتحول مع الوقت لواحد من أكبر رجال الأعمال المشهود لهم بالخير والمعروف في المنطقة. كان دايماً يقول للرجالة في القهوة:

— الجدعنة مش بفرض السيطرة.. الجدعنة بإنك تلاقي ابن الحلال اللي ينورلك طريقك ويرجعك لأصلك.

وفي يوم افتتاح الفرع الجديد لشركتنا في التجمع الخامس، وأنا واقفة بوسط الزحمة والدكاترة ورجال الأعمال، جاني رشدي الجبالي لابس بدلة شيك وفي إيده نفس كوباية الشاي الساخن اللي مش بيفارقه. قرب مني وابتسم ابتسامته النظيفة وقال:

— فاكرة ليلة عيد ميلادك الستة وعشرين يا فرح؟ لما حطيتي صباعك في صدري وقلتيلي اقف عدل؟

ضحكت من قلبي وقلتله:

— فاكرة طبعاً يا معلم.. كانت أشرس وأخطر ليلة في حياتي، بس كانت البداية لكل الخير اللي إحنا فيه النهاردة.

رشدي بص للشركة وللناس، ورجع بصلي بثقة وقال:

— العمر مش بالحسبية يا بنت الحلال.. العمر باللحظة اللي ربنا يبعتلك فيها الباب الصاح اللي يغير حياتك، وأنتي كنتي الباب ده.

اتجمعت العيلة والأصحاب، واتقطعت شريطة الافتتاح، وعرفت ساعتها إن الدنيا لما بتتقفل باب في وشك، بتبقى بتجهزلك باب أكبر بكتير.. بس المحظوظ هو اللي يقف بثبات وما يخافش، ويمسك في فرصة ربنا لما تجيلوا.

وبعد ما الشريط اتقطع، والناس بدأت تبارك وتهني، قرب مني رشدي وشاورلي على جنب بعيد عن الزحمة ودوشة المصورين. طلع من جيب الجاكيت علبة قطيفة كحلي صغيرة، وحطها في إيدي. فتحت العلبة، ولقيت جواها مفتاح صلب قديم ومصدّي.. نفس المفتاح بتاع الخزنة القديمة اللي كانت في مكتبه ببولاق، المفتاح اللي كان بيشيل فيه أسراره والأوراق اللي تهز السوق.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى