
بصيت للمفتاح وبصيتله باستغراب:
— إيه ده يا معلم؟ أنت جايبلي مفتاح مصدّي في يوم الافتتاح؟
رشدي ضحك بصوته الرخيم اللي يرن في القاعة:
— المفتاح ده هو الحاجة الوحيدة اللي بقيتلي من الأيام الإياها يا فرح.. يوم ما دخلتي عليا وبدأنا ننضف الشغل، كان المفتاح ده بيفتح خزنة فيها كل الشكاوي والمبيعات القديمة والكتب القديمة. النهاردة، أنا بقفل الخزنة دي للأبد وبسلمك مفتاحها عشان ترميه في النيل بنفسك.
مسكت المفتاح ودبكت عليه بإيدي، وحسيت بقيمة اللحظة.. رشدي الجبالي مش بس غير حياتي وحياة أمي، ده كان بيغسل تاريخه كله وبيبدأ صفحة جديدة تماماً.
— وهنرميه سوا يا معلم، قلتها وأنا ببتسم بثقة. عشان الشارع اللي طلعنا منه، نفضل فاكرين جدعنته، بس ننسى قسوته وضغينته.
ومن اليوم ده، بقت قصتنا تتضرب بيها الأمثال في بولاق والسيدة والتجمع؛ عن البنت اللي ما خافتش وحمت شرفها بعقلها، وعن المعلم اللي ساب سكة الضلام لما لقى الإيد الشريفة اللي تسنده.. وعرفت إن أجدع الناس مش اللي مولودين في عز، أجدع الناس هما اللي بيطلعوا من قاع الشارع وحافين، بس بيقدروا يبنوا فوقيه قمم بالحق والأصول.
وفي نفس الليلة، بعد ما الحفلة انفضت والناس مشيت، أخدنا العربية ونزلنا على كورنيش النيل في وسط البلد. كانت الساعة داخلة على أربعة الفجر، الهواء الساقع بيضرب في وشنا، وصوت مية النيل هادي وبيلمع تحت نور الفوانيس. وقفنا أنا ورشدي على السور الحديد، هو ببدلته الشيك وكوباية الشاي السخّن في إيده، وأنا بالبالطو بتاعي ومسكة المفتاح المصدّي في قبضة إيدي.
رشدي بص للمية وقال بصوت هادي طالع من أعماق صدره:
— عارفة يا فرح.. أنا طول عمري كنت فاكر إن القوة في إن الناس تخاف منك، إنك لما تعدي في الشارع الكل يعملك ألف حساب ويسكت.. بس الليلة دي، وأنا شايف اسمنا مكتوب على الشركة وفي النور، عرفت إن القوة الحقيقية هي إن الناس تحترمك وتدعيلك بالخير من غير ما تكون شايل أداة ولا كاسر عين حد.
ابتسمت وبصيت للمفتاح القديم:
— اللي بيخاف منك بيستنى وقعتك يا معلم.. لكن اللي بيحترمك بيقف في ضهرك لما تقع. وده الفرق بين زمان ودلوقتي.
رشدي هز رأسه وقال:
— ارميه يا فرح.. ارمي الأيام القديمة كلها باللي فيها.
مديت إيدي فوق السور، ورشدي حط إيده الكبيرة فوق إيدي.. وبأقصى قوة عندنا، حدفنا المفتاح المصدّي في قلب النيل. سمعنا صوت “تشش” خفيفة لما نزل في المية وغطس في القاع، ومعاه اتدفنت آخر حتة من الماضي والخوف.
لفينا ورجعنا للعربية، وبصيت من الشباك على شوارع القاهرة وهي بتبدأ تصحى مع أذان الفجر. افتكرت اللحظة اللي كنت فيها مش معايا أربعين جنيه لإيجار أمي، وافتكرت ليلة عيد ميلادي، وعرفت إن ربنا لما بيكتب لواحد نجاة، مش بس بينجيه من الخطر.. ده بينجيه من حياته القديمة كلها عشان يبدأ من جديد.
ومن يومها، بقت حكايتنا سيرة بيتكلم عنها الكبير والصغير؛ حكاية “فرح ورشدي الجبالي”.. الحكيمة والمعلم، اللي بدأوا من قاع الشارع وبولاق، ووصلوا لأعلى قمة بالحق، والأصول، والجدعنة.




