هربت من عيلة جوزها… فرمت نفسها في عربية ألد أعدائه ج1 حكايات شروق خالد

هربت من عيلة جوزها، وركبت عربية زعيم المافيا المنافس… فقال لها كلمة واحدة بس: «سوق.»
نجلاء البنا فقدت فردة جزمتها في مكان ما بين التراس اللي ورا البيت والبوابة الحديد الكبيرة.
ماوقفتش حتى تبص وراها.
الحصى البارد كان بيغرز في باطن رجلها الحافية، وهي بتجري بأقصى سرعتها في الطريق الطويل اللي خارج من قصر عيلة البنا، ماسكة موبايلها بإيد بتترعش لدرجة إن صوابعها وجعتها.
ومن وراها، صوت راجل زعق:
«نجلاء! استني!»
عرفت الصوت فورًا.
ده كان شريف، ابن عم جوزها.
وبعده صوت واحد تاني جاي من بعيد:
«محدش هيأذيكي! الحاج فؤاد بس عايز يكلمك!»
الجملة دي خوفتها أكتر من أي تهديد.
لأن نجلاء كانت عارفة إنهم مش محتاجين يضربوها عشان يأذوها.
هم بس كانوا عايزين يرجعوها البيت.
ويقفلوا عليها.
ويفضلوا يسألوها نفس السؤال لحد ما تنهار وتقول لهم ابنها فين.
بصت في شاشة موبايلها.
ثلاثة في المية.
جوزها، حسن، كان بعيد عنها بأكتر من ساعتين.
وابنها ياسين كان عند جدته في إسكندرية.
على الأقل… ده اللي كانت بتتمنى يكون حصل.
وصلت للبوابة الحديد في اللحظة اللي عربية سوداء ضخمة هدت سرعتها على الطريق.
نجلاء ما بصتش على النمرة.
مافكرتش.
فتحت الباب الخلفي ورمت نفسها جوا العربية.
وهي بتنهج قالت:
«أرجوك… سوق.»
لكن أول ما رفعت عينيها…
حست إن الدم اتسحب من وشها.
الراجل اللي كان قاعد قدامها هو آخر شخص في الدنيا كانت تتمنى تشوفه.
كمال الديب.
زعيم عيلة الديب.
الرجل اللي اسم عيلته كان بيتقال جوه بيت البنا بصوت واطي من أكتر من عشرين سنة.
مش دايمًا بخوف.
ساعات بغضب.
ساعات باحترام.
لكن عمر حد ما نطق باسم كمال الديب باستهانة.
كان عنده تلاتة وستين سنة.
شعره أبيض، كتافه عريضة، ولابس بالطو رمادي غامق.
شكله ماكانش فيه أي استعراض.
لا سلاسل دهب.
ولا بدلة غريبة.
ولا عشرين واحد واقفين حواليه.
كان فيه سواق قدام، ورجل واحد بس قاعد جنبه.
كمال بص على رجل نجلاء.
كانت بتنـزف.
وبعدين رفع عينه وبص على الرجالة اللي كانوا بيجروا ناحية العربية.
وصل شريف عند الباب.
انحنى ناحية الشباك وقال:
«يا حاج كمال… دي مشكلة عائلية.»
كمال ما ردش.
بص لنجلاء.
وسألها بهدوء:
«إنتِ عايزة ترجعي معاه؟»
نجلاء ردت من غير تفكير:
«لأ.»
كمال مد إيده وضغط زرار قفل الأبواب.
طَق.
وش شريف اتغير.
كمال لف ناحية السواق.
وقال كلمة واحدة:
«سوق.»
العربية اتحركت.
نجلاء فضلت باصة من الشباك وهي شايفة قصر عيلة البنا بيبعد عنها واحدة واحدة.
بس أول ما اختفى ورا الأشجار…
جسمها كله بدأ يترعش.
كمال مد إيده وناولها منديل أبيض نضيف.
«رجلك بتنـزف.»
نجلاء حطت المنديل على الجرح وقالت:
«أنا كويسة.»
كمال بص لها بنظرة باردة.
«إنتِ مش كويسة.»
ما ردتش.
فضلت ساكتة.
لحد ما سألها:
«إنتِ خدتي إيه؟»
رفعت عينيها له.
«ولا حاجة.»
«فلوس؟»
«لأ.»
«ورق؟»
«لأ.»
كمال ضيق عينه.
«أمال تلات رجالة كانوا بيجروا وراكي ليه؟»
نجلاء بلعت ريقها.
«فاكرين إني عارفة ياسين فين.»
كمال سكت ثواني.
وبعدين قال:
«ابن حسن.»
«أيوه.»
«عنده كام سنة؟»
«ستاشر.»
كمال هز راسه.
«أنا عارف.»
نجلاء اتوترت أكتر.
«إنت عارف ابني؟»
كمال ماجاوبش.
سألها:
«هو فين؟»
نجلاء هزت راسها بسرعة.
«مش هقولك.»
كمال بص قدامه وقال بهدوء:
«كويس.»
نجلاء بصت له باستغراب.
«كويس؟»
«أيوه.»
«إنت مش هتجبرني؟»
كمال لف وبصلها.
«لو كنت عايز أجبرك، كنتِ دلوقتي لسه جوه بيت عيلة البنا.»
نجلاء سكتت.
كان عنده حق.
سألها:
«الحاج فؤاد عايز إيه من ولد عنده ستاشر سنة لدرجة إنه يمنع أمه من إنها تخرج من البيت؟»
نجلاء نزلت عينيها.
صوتها خرج مكسور:
«هو مش عايز منه يعمل حاجة.»
كمال انتظر.
قالت:
«هو عايز يغيّره.»
«يغيره لإيه؟»
نجلاء قفلت عينيها.
«عايزه يبقى زي أبوه.»
كمال سكت.
ولأول مرة من ساعة ما ركبت العربية…
نجلاء شافت حاجة غريبة في عينيه.
مش خوف.
غضب.
غضب قديم.
قبل اتناشر يوم بس، نجلاء ماكانتش تتخيل إن حياتها كلها ممكن تنقلب بالشكل ده.
قبل اتناشر يوم…
أكبر مشكلة عندها كانت إن ياسين ممكن يفوّت أتوبيس المدرسة للمرة التالتة في نفس الأسبوع.
الساعة كانت ستة واثنين وأربعين دقيقة الصبح.
الدنيا كانت مغيمة، والجو بارد.
نجلاء دخلت المطبخ، لقت ياسين قاعد قدام طبق الكورن فليكس اللي بقى طري من كتر ما سابه.
ماكانش بياكل.
كان بيرسم.
«ياسين.»
ما ردش.
«يا ابني!»
رفع عينه ببطء.
كان حاطط سماعة في ودنه.
«نعم؟»
نجلاء بصت للساعة.
«قدامك حداشر دقيقة.»
«لحد إيه؟»
بصت له باستغراب.
ياسين بص للساعة.
وبعدين قال:
«آه.»
نجلاء ضحكت غصب عنها.
ابنها كان عبقري في حاجات غريبة.
ممكن يفتكر تفاصيل فيلم اتفرج عليه من خمس سنين.
ممكن يحفظ أسماء شخصيات مشهورة من أفلام قديمة.
لكن مواعيد المدرسة؟
دي قصة تانية.
مدت إيدها وأخدت الكارت الأبيض اللي كان تحت إيده.
بصت للرسم.
كان فيه راجل عجوز واقف تحت مظلة أتوبيس.
في إيده كيس خضار.
وكان حاطط الجاكت بتاعه فوق كلب صغير عشان يحميه من المطر.
نجلاء سألت:
«إنت شفت الراجل ده امبارح؟»
ياسين هز راسه.
«أيوه.»
«كلمته؟»
ضحك.
«لأ طبعًا.»
ياسين عمره ما كان بيحب يكلم الغرباء.
كان بيحب يراقبهم.
يرسمهم.
ويلاحظ حاجات محدش بياخد باله منها.
نجلاء كانت فاهمة ده فيه من زمان.
هي ماكنتش أمه الحقيقية.
أمه الحقيقية، هبة، كانت ماتت وهو عنده ست سنين.
وبعد سنتين، نجلاء اتجوزت حسن البنا.
ماحاولتش تاخد مكان أمه.
ولا مرة طلبت منه يناديها ماما.
في البداية كان بيناديها نجلاء.
وبعد كده، مع الوقت، بقت أقرب إنسانة ليه.
لحد يوم ما كان عنده عشر سنين.
وقع من العجلة.
واتفتح جرح كبير في دقنه.
نجلاء فضلت معاه في المستشفى ساعات طويلة.
حسن كان وقتها في شغل بعيد.
الساعة كانت قربت على اتنين الفجر.
ياسين كان تعبان وخايف.
بص لها وهمس:
«ماما… ممكن أشرب مية؟»
نجلاء عمرها ما نسيت الكلمة دي.
ولا هو اتكلم عنها تاني.
لكن من اليوم ده…
ما نادهاش نجلاء مرة واحدة.
دخل حسن المطبخ وهو بيظبط قميصه.
«صباح الخير يا بطل.»
ياسين قال:
«صباح الخير.»
حسن خد قطعة توست من طبق نجلاء.
ضربت إيده.
«إبعد عن أكلي.»
ضحك:
«أنا اتجوزتك عشان الفطار ده.»
«روح اعمل لنفسك.»
«بعد اللي عملتيه فيا ده، أنا هطلب الطلاق.»
نجلاء ابتسمت.
«اتفضل.»
لثواني…
البيت كان طبيعي.
عيلة عادية.
زوج وزوجة وابن.
لكن عين نجلاء وقعت على ورقة عزاء متعلقة على التلاجة.
صورة رجل مبتسم.
تحت الصورة مكتوب:
«حسام البنا.»
أخو حسن الكبير.
أخو ياسين اللي كان دايمًا بيعتبره قدوته.
اتوفى من اتناشر يوم.
نجلاء بصت للصورة.
البيت كان بيهدى كل مرة تشوفها.
حسن لاحظ نظرتها.
ابتسامته اختفت.
قال:
«العشا عند أبويا النهارده.»
قلم ياسين وقف في إيده.
ثانية واحدة.
لكن نجلاء لاحظت.
«الساعة كام؟»
حسن قال:
«ستة ونص.»
ياسين جمع كروته بسرعة.
«لازم أروح؟»
حسن بص له.
«طبعًا.»
«بس عندي شغل.»
«شغل إيه؟»
ياسين سكت.
«مش مهم.»
حسن قطب جبينه.
«إنت من ساعة ما عمك مات وإنت بتتصرف بطريقة غريبة.»
ياسين ما ردش.
موبايل حسن رن.
بص للشاشة.




