
الرصاصة دخلت من أسفل ظهر سليم المنشاوي، وحطمت الفقرة الصدرية الثانية عشرة، منه العالم كله.
قبل الحادث، كان اسم سليم وحده كفيلًا بأن يخلي الرجال يخفضوا أصواتهم لما يتكلموا عنه. كانوا عليه حصص من شركات الشحن، وعقود مقاولات، وأراضي ومشاريع، وكل واحد فيهم كان مستعد يدفع أي تمن عشان يضمن إن سليم المنشاوي ما يحطش عينه على مصالحه.
كان أخطر راجل في القاهرة.
راجل محدش يقدر يقف قدامه.
لكن بعد الرصاصة، عالم سليم بقى أربع حيطان، وسرير طبي، وصوت ميكانيكي مكتوم خارج من المرتبة اللي بتتغير فيها الضغوط كل شوية.
ما بقاش قادر يحس برجليه.
مش مجرد تنميل.
ولا إحساس مؤقت.
رجليه كانوا تقال وميتة تمامًا، كأنهم حمل مربوط في جسمه ومش قادر يتخلص منه.
الدكاترة قالوا له إن عنده شلل نصفي.
أما سليم فكان شايف إنهم بيدوه اسم محترم للقبر اللي اتحبس جواه.
على الناحية التانية من الجناح الكبير، كانت نادين قاعدة قدام المراية، بتحط أحمر شفاه أحمر غامق.
فكها كان مشدود، وعينيها مركزين على انعكاس وشها، ولا كأن في راجل على السرير وراها.
كانت لابسة روب حرير ناعم، نازل من على كتفها.
زمان، منظرها كان كفيل يخلّي قلب سليم يدق أسرع.
دلوقتي؟
ما بقاش شايف فيها غير برود.
قالت وهي لسه باصة للمراية:
“محمود اتصل تاني.”
سليم ما ردش.
كملت وهي بتظبط أحمر الشفاه:
“محتاج إمضتك على أوراق أرض الميناء.”
فضل سليم باصص للسقف.
كان حافظ النقوش اللي فيه عن ظهر قلب.
حفظ كل تفصيلة، وكل شرخ صغير، من كتر الساعات اللي قضاها وهو عاجز عن الحركة.
قال بصوت خشن:
“قولي لمحمود يطلع الورق هنا. أنا ، مش فقدت عقلي.”
نادين تنهدت بضيق.
تنهدة طويلة مستفزة.
“إنت عارف إنه مش عايز يطلع هنا يا سليم. الرجالة مش عارفين يتعاملوا معاك دلوقتي.”
وسكتت لحظة قبل ما تضيف:
“وجودهم حواليك بقى محرج ومتوتر.”
الجملة دخلت قلبه زي سكينة.
متوتر.
يعني إيه متوتر؟
يعني وجوده بقى عبء.
سليم لف راسه ناحيتها.
وده كان تقريبًا الجزء الوحيد من جسمه اللي لسه بيقدر يحركه بنفس سهولة زمان.
بص للست اللي المفروض تبقى مراته بعد تلات شهور.
الخاتم اللي في صباعها لمع تحت ضوء الصبح.
ألماسة كبيرة دفع تمنها من فلوس ونفوذ وحروب خاضها سنين.
نادين كانت بتكره تبص له.
ولما عينيها كانت بتقع عليه، كانت بتبعدها بسرعة.
مرة على كتفه.
مرة على السرير.
مرة على حامل المحلول.
أي مكان…
إلا وشه.
وبالأخص رجليه اللي بقت ساكنة تحت الغطا.
قال سليم ببرود:
“يبقى محمود مش هياخد أرض الميناء.”
نادين قامت وشدت الروب عليها.
وبصت له أخيرًا.
نظرتها كانت خليط بين الشفقة والضيق.
“أنا معنديش وقت أفضل ساعي بريد بين شبح وباقي العيلة.”
ثم أخذت شنطتها وقالت:
“عندي بروفة فستان الساعة اتناشر. هقول للخدم يطلعوا لك الغدا.”
خرجت.
من غير حتى ما تستنى رده.
الباب الخشب التقيل اتقفل وراها.
وساد الصمت.
صمت تقيل لدرجة إن سليم كان سامع دقات الساعة المعلقة على الحيطة.
غمض عينيه.
الغضب كان لسه جواه.
نار مولعة في صدره.
لكن لأول مرة في حياته، الغضب ما كانش كفاية.
ما كانش قادر يقوم.
ما كانش قادر يمشي.
ما كانش قادر يخرج من البيت.
ما كانش حتى قادر يفتح باب أوضة لوحده.
الملك من غير جيش مجرد هدف.
والملك اللي مش قادر يقف على رجله، بالنسبة للي حواليه، بقى فرصة.
قبض سليم على طرف الملاية.
إيديه لسه قوية.
إيدين قادرين يمسكوا راجل من رقبته ويخلّوه يترعب.
لكن إيه فايدة القوة دي كلها لو جسمه نفسه خانه؟
بعد حوالي عشرين دقيقة، مقبض الباب اتحرك.
المرة دي الحركة كانت هادية.
مفيهاش خوف.
الباب اتفتح، ودخلت ست شايلة صينية عليها حوض صغير بمياه دافية، وفوط نضيفة، وأدويته الصباحية.
اسمها كان مريم.
كانت جديدة نسبيًا في البيت.
ما كانتش من عالم سليم.
ما كانتش بتلبس ماركات غالية.
ولا بتحط عطور تخنق اللي حواليها.
وما بصتش له كأنه جثة مستنية تتدفن.
كانت لابسة يونيفورم كحلي بسيط.
شعرها الأسود مربوط ورا راسها بطريقة عشوائية، وتحت عينيها هالات واضحة.
هالات واحدة بتشتغل أكتر من شغلانة، وبتجري طول اليوم عشان تلحق مصاريف البيت.
قربت من السرير.
حطت الصينية على الترابيزة.
وقالت ببساطة:
“صباح الخير يا أستاذ سليم.”
سليم ما ردش.




