
إيه اللي ممكن يخلي راجل قوي يتظاهر إنه مول؟ وليه يخاطر إنه يكشف حقيقته للست اللي لسه بقت مسؤولة عن رعايته؟
«لو جوزك دور على واحدة تانية، يمكن المفروض تسألي نفسك إنتِ بطّلتي تعملي إيه كزوجة.»
حماتي سميحة قالتلي الكلام ده بالحرف، في نفس الليلة اللي اكتشفت فيها إن ابنها بيخوني.
اسمي مريم عبد الرحمن. كان عندي تسعة وتلاتين سنة، وكنت متجوزة جوزي شريف بقالنا اتناشر سنة.
لما اتقابلنا أول مرة، ماكانش معانا تقريبًا أي حاجة. عربية قديمة بتطلع دخان، عفش على قد الحال، وكنا بنحسب كل جنيه بنصرفه.
إحنا كمان ماقدرناش نخلف.
سنين طويلة وأنا بروح من دكتور لدكتور، لحد ما شريف حضني في ليلة وقاللي:
«أنا اتجوزت مريم، مش اتجوزت قدرتها إنها تخلف.»
وقتها صدقته من قلبي.
قبل طلاقنا بأربع سنين، بابا اتعرض لجلطة كبيرة جدًا.
سيبت شغلي الإداري عشان أعتني بيه بنفسي في البيت. أخدت كورس في الرعاية المنزلية، واتعلمت إزاي أنقله من السرير للكرسي بأمان، وإزاي أحميه من قرح الفراش، وإزاي أساعده من غير ما أحسسه إنه فقد كل استقلاله.
ولما بابا توفى، كنت ناوية أرجع لشغلي.
لكن سميحة أقنعتني أفضل في البيت.
قالتلي بمنتهى الهدوء:
«شريف بيكسب كويس دلوقتي. الست الشاطرة هي اللي تهتم ببيتها وجوزها.»
وشريف وافقها.
الشهور عدت، وتحولت لثلاث سنين كاملة.
كنت بطبخ.
وبنضف.
وبدفع الفواتير.
وبوصل سميحة لمواعيد الدكاترة بتاعتها اللي مابتخلصش.
وكنت أنا اللي منظمة تقريبًا كل حاجة في حياتنا، في الوقت اللي شريف كان بيترقى بسرعة في شركة كبيرة للمعدات الطبية.
وبعدين بدأت تظهر حكاية «عشاوات العملاء».
وبعدها «اجتماعات ضرورية» في الويك إند.
وبقى تليفونه دايمًا مقلوب على وشه فوق الترابيزة.
لحد ما في ليلة، ظهر إشعار على شاشة موبايله.
«وصلت البيت؟ وحشتني. ماتسبنيش لوحدي مع الموضوع ده.»
الرسالة كانت من نادين، واحدة من زميلاته في الشغل.
طلبت منه يفتح تليفونه.
وشه اتغير، وبقى أبيض زي الميت.
ماكانش لازم أشوف باقي الرسائل عشان أفهم.
بصيت له وقلت:
«بقالكم قد إيه؟»
رد بصوت واطي:
«شهرين.»
سألته:
«إنت بتحبها؟»
سكت شوية، وبعدين قال:
«مش عارف.»
سميحة خرجت من أوضتها بعد ما سمعت صوتنا العالي.
وأنا، رغم كل حاجة، توقعت إنها هتقف في صفي.
لكنها بصتلي ببرود وقالت:
«الرجالة اللي بتنجح في شغلها بتتعامل مع ناس مهمين يا مريم. إنتِ بقالك سنين قاعدة في البيت. الزوجة لازم تعرف إزاي تخلي جوزها مهتم بيها.»
في اللحظة دي، حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت للأبد.
تاني يوم الصبح، حطيت قسيمة جوازنا على ترابيزة السفرة.
وبصيت لشريف وقلت:
«أنا عايزة الطلاق.»
ضحك باستهانة.
كان فاكر إني بتهدد.
لكن المرة دي كنت بتكلم بجد.
بعد شهر، خرجت من البيت وأنا شايلة شنطتين، وصورة بابا في برواز، ونصيبي من الفلوس اللي كانت من حقي.
وقبل ما أقفل الباب، سميحة بصتلي بابتسامة مليانة شماتة وقالت:
«لما تعيشي لوحدك هتعرفي يعني إيه الحياة من غير ابني.»
ما رديتش عليها.
قفلت الباب ومشيت.
بعد تلات أيام، جالي اتصال من واحدة كانت معايا في كورس الرعاية المنزلية.
قالتلي إن عيلة غنية في القاهرة بتدور على مقدمة رعاية تعيش معاهم، لرجل أعمال عنده خمسين سنة، اتعرض لحادث عربية خطير من حوالي تمن شهور.
قالت إن حركته في الجزء السفلي من جسمه محدودة جدًا، وإنه محتاج مساعدة يومية.
المرتب كان كبير بشكل خلاني أتأكد إني سمعت صح.
كنت محتاجة بداية جديدة، فوافقت من غير تردد.
وصلت للبيت في نفس اليوم.
كان قصر ضخم جدًا، في منطقة راقية، والهدوء حواليه كان غريب.
هناك اتعرفت على عادل منصور.
راجل في الخمسين، جسمه نحيف، كلامه قليل، وعينيه حادة بشكل يخلي اللي قدامه يتوتر من غير ما يعرف السبب.
كان قاعد على كرسي متحرك كهربائي.
كان عايش في القصر مع والدته سهام، وأخوه الأصغر حسام، ومرات أخوه داليا.
عادل كان صاحب شركة كبيرة في مجال الأجهزة والمستلزمات الطبية.
من أول يوم، بدأت أحس إن فيه حاجة غلط في البيت.
حسام كان هو اللي بيتحكم في المكالمات اللي بتوصل لعادل.
داليا كانت بتراقب أي حد يدخل البيت، خصوصًا رجال الأعمال والموظفين.
أما العيلة كلها، فكانوا بيتكلموا عن حالة عادل كأن إعاقته خلاص بقت حقيقة ثابتة ومفيش منها رجوع.
لكن أكتر حاجة شدت انتباهي كانت طريقة تعاملهم معاه.
كانوا بيتكلموا قدامه كأنه مش موجود.
وفي أول ليلة ليا هناك، ساعدت عادل يستحم ويغير هدومه.
بعدها بدأت أنشف رجليه بفوطة دافية.
وفجأة…
رجله اليمين اتحركت.
إيدي وقفت في مكانها.
فضلت باصة للرجل.
افتكرت في الأول إنه مجرد تشنج.
لكن بعد ثواني، شفت صوابعه بتتحرك.
مرة.
واتنين.
وبشكل متعمد.
رفعت عيني وبصيت له.
هو كمان كان باصصلي.
كانت عينيه ثابتة بشكل مرعب.
قال بصوت هادي:
«مريم… اقفلي الباب.»
قلبي بدأ يدق بعنف.
رجعت خطوة لورا وقلت:
«ليه؟»
قرب وشه مني شوية، وخفض صوته:
«عشان اللي هقولهولك دلوقتي… محدش في البيت ده يعرفه.»
حسيت برعشة في جسمي.
مسكت موبايلي بإيدي، وروحت قفلت الباب بالمفتاح.
رجعت أقف قدامه وأنا مش فاهمة أي حاجة.
عادل أخد نفس عميق.
وسكت حوالي عشر ثواني.
وبعدين…
رفع رجله اليمين من على مسند الكرسي.
رفعها حوالي كام سنتي.
وبدأ يحرك صوابعه واحدة واحدة.
فضلت باصة له وأنا مش قادرة أتكلم.
هو كان قادر يحرك رجله.
يعني…
عادل منصور مش مشلول.
طول الشهور اللي فاتت دي كلها كان بيمثل.
لكن قبل ما ألحق أسأله ليه، بصلي وقال جملة خلت الدم يهرب من وشي…
«مريم، لو حسام أو داليا عرفوا إنك شفتي رجلي بتتحرك، مش أنا بس اللي هكون في خطر… إنتِ كمان هتختفي زي أبويا.»
اتجمدت مكاني.
«أبوك؟»
هز راسه ببطء.
«أيوه. أبويا ما ماتش في حادث طبيعي.»
صوتي خرج بالعافية:
«إنت عايز تقول إيه؟»
بص ناحية الباب، وبعدين رجع بصلي.
«أنا مش قاعد على الكرسي ده عشان رجلي مش بتتحرك. أنا قاعد عليه عشان أعرف مين في عيلتي حاول يقتلني.»
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
«ومين حاول يقتلك؟»
ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها ماكانتش فيها أي فرحة.
«الشخص اللي هتضطري تعيشي معاه كل يوم تحت سقف واحد.»
وقبل ما أقدر أستوعب كلامه، سمعنا خبطتين على الباب.
عادل بسرعة نزل رجله على المسند، ورجع جسمه لوضعه الطبيعي.
وفي أقل من ثانية، رجع الراجل المشلول اللي كل الناس فاكرينه.
صوت حسام جه من بره:
«عادل؟ كل حاجة تمام؟»
بصلي عادل، وحط صباعه على شفايفه.
وبعدين قال بصوت عالي:
«أيوه… مريم بتساعدني أغير هدومي.»
السكوت استمر ثواني.
وبعدين حسام قال:
«تمام. ماتتأخروش.»
سمعنا خطواته بتبعد.
أنا كنت واقفة مكاني، وقلبي بيدق بجنون.
عادل قرب مني وقال بهمس:
«من اللحظة دي، إنتِ مش مجرد مقدمة رعاية.»
بصيت له بخوف.
«أمال أنا إيه؟»
رد:
«إنتِ أول شخص دخل البيت ده وأنا متأكد إنه مش شريك معاهم.»
سكت شوية، وبعدين قال:
«وعشان كده اخترتك إنتِ بالذات.»
اتنفضت.
«إنت اخترتني؟»
«أيوه.»
«بس إزاي؟»
بصلي في عيني وقال:
«لأني كنت بدور على واحدة عندها خبرة في رعاية المرضى… والأهم من ده كله، واحدة مالهاش أي علاقة بعيلتي.»
سألته:
«طب ليه بتثق فيا؟»
فضل ساكت لحظات.
وبعدين قال:
«لأنك خرجتي من جوازك من غير ما تاخدي أكتر من حقك، رغم إنك كنت تقدري تعملي مشاكل وتاخدي أكتر. ولأن كل المعلومات اللي وصلتني عنك قالت إنك بتفضلي كرامتك على الفلوس.»
بصيت له وأنا مش عارفة أقول إيه.
فكمل:
«لكن فيه حاجة تانية.»
«إيه؟»
قال:
«جوزك السابق مش هو أول راجل خانك.»
اتصدمت.
«إنت تعرف شريف؟»
«أعرف عنه أكتر مما تتخيلي.»
حسيت ببرودة في أطرافي.
«إنت كنت بتراقبني قبل ما أشتغل هنا؟»
قال بهدوء:
«كنت بحاول أعرف إذا كنتِ الشخص المناسب.»
وبعدين قرب مني وقال:
«لأن اللي حصل معايا مش حادث… واللي حصل في جوازك مش صدفة زي ما إنتِ فاكرة.»
في اللحظة دي، لأول مرة فهمت إن خروجي من بيت شريف يمكن ماكانش نهاية حياتي القديمة.
يمكن كان أول خطوة في حاجة أخطر بكتير.
وحاجة واحدة بس كانت بتدور في دماغي:
ليه رجل أعمال زي عادل منصور اختارني أنا بالذات؟
وإيه علاقة خيانة شريف بالمؤامرة اللي بتحصل جوه القصر؟
لكن الإجابة اللي قالها بعدها كانت أخطر من كل توقعاتي…
«مريم، شريف ماخانكيش عشان يحب نادين.»
سكت.
وبعدين قال:
«هو خانك لأن حد دفعله عشان يعمل كده.»
حكايات شروق خالد
اتجمدت وأنا باصة لعادل.
«حد دفعله؟»
هز راسه.
«أيوه.»
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
«يعني إنت عايز تقنعني إن خيانة جوزي كانت تمثيلية؟»
«مش تمثيلية بالكامل. شريف كان خاين فعلًا، بس العلاقة نفسها اتستخدمت كجزء من خطة أكبر.»
قربت منه وقلت بعصبية:
«إنت تعرف شريف منين أصلًا؟»
عادل سكت لحظات، وبعدها قال:
«قبل الحادث بتاعي بشهرين، كنت براجع حسابات الشركة. اكتشفت تحويلات مالية غريبة خارجة من حسابات فرعية لشركتي. التحويلات كانت بتروح لشركات وهمية، والشركات دي كانت مرتبطة برجالة من عيلتي.»


