
لراجل اللي كنت طول عمري شايفه سندي، واللي كنت بحكيله عن شغلي، وعن داليا، وعن كل حاجة بتحصل في حياتي.
إزاي؟
إزاي أبويا كان موجود معاها؟
اتصلت بيه فورًا.
التليفون رن.
مرة.
مرتين.
تلاتة.
وبعدين اتقفل.
جربت تاني.
نفس النتيجة.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
رجعت بصيت للصورة مرة تانية.
داليا كانت باصة للكاميرا، لكن نظرتها ماكانتش نظرة واحدة مخطوفة.
كانت هادية.
ثابتة.
وكأنها كانت عارفة إني هاشوف الصورة.
فجأة فهمت إن الرسالة ماكانتش مجرد تهديد.
كانت دعوة.
دعوة عشان أكتشف الحقيقة بنفسي.
قضيت باقي الليل في المكتب.
ما نمتش.
قعدت أقلب في كل ورقة وكل تحويل وكل عقد.
وفي حوالي الساعة تلاتة الفجر، لقيت ملف قديم عليه اسم شركة كنت فاكره انتهت من سنين.
فتحته.
وفي أول صفحة كان فيه اسم أبي.
لكن مش كمستشار.
ولا كمساهم.
كان شريكًا سريًا.
قلبي وقف لحظة.
قلبت باقي الأوراق بسرعة.
كل تحويل مالي كان مربوط بشركة خارجية.
والشركة دي كان لها مدير واحد.
مراد.
لكن التوقيعات؟
كانت بتوقيعي أنا.
فجأة سمعت صوت عربية وقفت تحت المبنى.
بصيت من الشباك.
عربية سودا.
نزل منها رجل.
وبعد ثواني، ظهر كريم.
جريت على السلم.
أول ما شافني قال:
“إنت هنا؟”
مسكته من هدومه.
“أبويا كان شريك في الشركة القديمة.”
وشه اتغير.
“إنت عرفت؟”
اتجمدت.
“إنت كنت عارف؟”
كريم سكت.
صرخت فيه:
“إنت كنت عارف يا كريم؟!”
رفع إيده.
“اسمعني الأول.”
“قول!”
قال بصوت منخفض:
“أبوك هو اللي بدأ كل حاجة.”
رجعت خطوة.
“يعني إيه؟”
“قبل ما تتجوز داليا بسنة، أبوك طلب مني أراقب حسابات الشركة.”
ضحكت بسخرية.
“وأنا كنت فاكر إنك صاحبي.”
“أنا صاحبك.”
“الصاحب ما يخبيش عن صاحبه إن أبوه بيسرق شركته.”
قال:
“أنا ما كنتش عارف كل حاجة.”
“وداليا؟”
سكت.
عرفت الإجابة من عينيه.
“إنت ساعدتها.”
هز راسه.
“أيوه.”
سكتنا.
وبعدين قال:
“هي اكتشفت الحقيقة قبلك بكتير.”
“ليه ما قالتليش؟”
“قالتلك.”
ضحكت بمرارة.
“إمتى؟”
“كل مرة كانت بتحاول تفتح معاك الموضوع، كنت بتقفل الكلام. مرة كنت في اجتماع، مرة مسافر، مرة مشغول، ومرة قلتلها إن شغل الرجال مش حاجة تخصها.”
الكلمة دي خنقتني.
كنت فعلًا قلتها.
من غير ما أفكر.
كريم كمل:
“لما اكتشفت إن أبوك ومراد بيستخدموا توقيعك في تحويلات ضخمة، خافت عليك.”
“خافت عليا؟”
“أيوه.”
“وإيه اللي حصل بعدها؟”
قال:
“أبوك عرف إنها اكتشفت.”
سكت لحظة.
“ومن اليوم ده، داليا بدأت تخطط للهروب.”
جلست على الكرسي.
“والصورة؟”
“هي في أمان.”
“مع أبويا؟”
كريم هز راسه.
“لأ.”
“أمال مين الرجل اللي وراها؟”
بصلي في عيني.
“أخوك.”
اتسعت عيني.
“أنا معنديش أخ.”
كريم سكت.
وبعدين قال:
“عندك.”
حسيت إن نفسي اتقطع.
“أبوك كان مخبي عليك إن ليك أخ أكبر.”
فضلت باصص له كأني مش فاهم اللغة اللي بيتكلم بيها.
“اسمه سامح.”
“فين؟”
“هو اللي كانت داليا مستخبية عنده.”
وقفت بسرعة.
“لازم أشوفها.”
كريم مسكني من دراعي.
“لسه بدري.”
“داليا في خطر.”
“لأ. هي مش في خطر.”
بصلي بجدية.
“الخطر الحقيقي هو إنت.”
“أنا؟”
“لأن أبوك عرف إنك بدأت تعرف.”
في اللحظة دي، تليفوني رن.
رقم أبويا.
رديت.
“ألو؟”
صوته جه هادي بشكل مرعب.
“كنت مستني اليوم ده من زمان.”
ما رديتش.
قال:
“داليا خربت كل حاجة.”
“إنت عملت إيه؟”
ضحك ضحكة قصيرة.
“أنا عملت اللي كان لازم يتعمل.”
“إنت سرقت شركتي.”
“شركتك؟”
ضحك تاني.
“إنت لسه فاكر إن أي حاجة باسمك كانت ملكك؟”
شدّيت على التليفون.
“فين داليا؟”
سكت.
وبعدين قال:
“هي اختارتك في النهاية.”
“يعني إيه؟”
“اختارت تحميك بدل ما تنتقم منك.”
صوته اتغير.
“بس للأسف، أنا ما كنتش ناوي أسيبها تعمل كده.”
قفلت المكالمة.
بصيت لكريم.
“إحنا لازم نتحرك دلوقتي.”
قال:
“عارف.”
وقبل ما نخرج من المكتب، وصلتني رسالة جديدة.
من داليا.
“ياسين، لو وصلك الكلام ده، يبقى أبوك عرف إنك عرفت.”
“تعالى للمكان اللي بدأ منه جوازنا.”
وتحت الرسالة كتبت:
“ومتجيبش حد معاك.”
بصيت لكريم.
المكان اللي بدأ منه جوازنا…
كان نفس المكان اللي وعدتها فيه إني مش هبقى الراجل اللي هيكره نفسه عشانه.
شاليه صغير على البحر.
لكن كان فيه شيء واحد مش منطقي.
داليا كانت عارفة إني مش هروح لوحدي.
كانت عارفة إني هاخد كريم.
إلا لو…
هي كانت عايزة كريم ييجي.
بصيت له.
وهو كان باصصلي.
وفجأة، سألته:
“كريم…”
“أيوه؟”
“إنت ليه ما سألتنيش الرسالة قالت إيه؟”
وشه اتغير.
ولأول مرة من يوم ما عرفته…
ما عرفش يجاوب.
حكايات شروق خالد
كريم فضل ساكت، وبص بعيد عن عيني.
قلت له بصوت هادي:
“إنت كنت عارف إن داليا هتبعتلي الرسالة دي، صح؟”
رفع عيني وقال:
“ياسين، الموضوع مش زي ما إنت فاهم.”
ضحكت بسخرية.
“الجملة دي سمعتها كتير أوي الفترة دي.”
اتراجع خطوة.
“داليا طلبت مني حاجة واحدة.”
“إيه؟”
“إنّي أحميك.”
بصيت له باستغراب.
“تحميني من مين؟”
ما ردش.
قربت منه.
“من أبويا؟”
سكت.
“ولا منك؟”
وشه اتشد.
وقتها فهمت.
هو كان جزء من الخطة.
لكن السؤال الحقيقي كان: لحد فين؟
خرجنا من المكتب، وكل واحد فينا ساكت.
ركبت العربية، وكريم ركب جنبي.
طول الطريق للبحر ما اتكلمناش.
كنت حاسس إن كل حاجة عشتها خلال السنين اللي فاتت بتتفك قدامي واحدة واحدة.
جوازي.
شغلي.
أبويا.
كريم.
حتى داليا.
كلهم بقوا علامات استفهام.
وصلنا للشاليه قبل الفجر.
المكان كان هادي بشكل غريب.
نزلت من العربية.
كريم قال:
“استنى هنا.”
بصيت له.
“ليه؟”
“داليا قالت تيجي لوحدك.”
“هي قالتلي كده.”
وسبت العربية.
مشيت ناحية الشاليه.
الباب كان مفتوح.
دخلت.
ماكانش فيه حد.
لكن على الترابيزة كانت فيه صورة قديمة.
صورتنا أنا وداليا يوم جوازنا.
وتحت الصورة ورقة.
فتحتها.
“لو إنت هنا، يبقى لسه جواك جزء من الراجل اللي حبيته.”
عيوني دمعت.
كملت:
“أنا عارفة إنك دلوقتي شايف كل الناس حواليك خونة. بس متخليش الغضب يعميك.”
“إنت لازم تعرف إن أبوك مش أكبر مشكلة.”
اتجمدت.
قلبت الورقة.
كان مكتوب:
“المشكلة الحقيقية هي الشخص اللي كان قريب منك من البداية.”
رفعت عيني.
وفجأة سمعت صوت حركة ورايا.
لفيت بسرعة.
داليا كانت واقفة عند باب الغرفة.
حافية.
لابسة فستان بسيط.
وشكلها كان مختلف.
مرهقة.
لكن قوية.
فضلت أبص لها من غير ما أتكلم.
قالت:
“إنت جيت.”
صوتي خرج بصعوبة:
“إنتِ ليه عملتي كل ده؟”
قربت مني.
“لأني حاولت أنقذك.”
“من إيه؟”
“من نفسك.”
ضحكت بمرارة.
“حتى إنتِ؟”
دموعها نزلت.
“أنا حذرتك يا ياسين.”
“وأنا ما سمعتكيش.”
هزت راسها.
“لأ.”
وبصت في عيني.
“إنت ما كنتش عايز تسمع.”
سكت.
وبعدين قالت:
“أنا عرفت بخيانتك من أربع شهور.”
نزلت عيني.
“كنت مستنية إنك تيجي وتقول الحقيقة.”
“ما قدرتش.”
“عارفة.”
“كنت خايف أخسرك.”
ضحكت بحزن.
“إنت خسرتني يوم اخترت كل حاجة غيري.”
الكلام وجعني أكتر من أي حاجة.
لكنها كملت:
“بس أنا ما مشيتش عشان الخيانة بس.”
رفعت عيني.
“مشيت لما اكتشفت إن أبوك كان بيستخدم اسمك في عمليات مالية غير قانونية.”
“وعشان كده هربتي؟”
“لأ.”
سكتت.
“هربت لما عرفت إنه مستعد يدمرك عشان يحمي نفسه.”
وقتها سمعت صوت العربية برا.
داليا بصت ناحية الباب.
وشها اتغير.
“هو وصل.”
“مين؟”
قالت:
“أبوك.”
خرجت بسرعة.
كريم كان واقف جنب العربية.
وأبويا كان نازل من عربية تانية.
وراه اتنين من رجاله.
بصلي وقال:
“كنت أتمنى إنك ما توصلش للحقيقة.”
وقفت قدام داليا.
“إنت أذيتها؟”
ابتسم.
“أنا حاولت أحمي العيلة.”
صرخت:
“العيلة؟ إنت دمرت كل حاجة!”
رد بهدوء:
“إنت مش فاهم يا ابني.”
“أنا فاهم كل حاجة.”
طلعت الأوراق من جيبي.
“عندي التحويلات.”
وشه اتغير.
“وعندي توقيعات مزورة.”
سكت.
وبعدين بص لكريم.
“إنت اللي سلمته الأوراق؟”
كريم قال:
“أيوه.”
أبويا ابتسم.
“خيانة جميلة من صاحب عمرك.”
وفجأة، سمعنا صوت سيارات تانية.
عربيات شرطة دخلت المكان.
أبويا بص حوالينه بصدمة.
وبعدين بصلي.
“إنت عملت إيه؟”
قلت:
“الحقيقة اللي إنت طول عمرك خايف منها.”
داليا هي اللي كانت بلغت قبل ما توصلني للمكان.
كانت مجهزة كل الأدلة.
وسجلت كل التحويلات.
وحتى المحادثات اللي تثبت إن أبويا ومراد استخدموا اسمي في السرقة.
خلال أسابيع، كل حاجة ظهرت.
مراد اتقبض عليه.
وأبويا اتحاكم.
أما أنا، فاضطريت أواجه الجزء الأصعب.
إني أعترف إن إهمالي هو اللي سمح لكل ده يحصل.
الشركة اتنقذت، لكن سمعتي اتكسرت.
وخسرت فلوس كتير.
وخسرت نفوذ كنت فاكره أهم حاجة في حياتي.
لكن الغريب…
إني لأول مرة ما كنتش مهتم.
كنت مهتم بحاجة واحدة بس.
داليا.
بعد شهور من الطلاق، قابلتها في نفس المكان اللي بدأ منه كل شيء.
كانت واقفة قدام البحر.
مشيت ناحيتها.
قلت:
“أنا مش جاي أطلب منك ترجعي.”
بصتلي.
“عارفة.”
“أنا جاي أقولك إني اتغيرت.”
سكتت.
قلت:
“ومش مستني تصدقيني بالكلام.”
قربت خطوة.
“أنا عايزك تشوفي بنفسك.”
دموعها لمعت في عينيها.
“ياسين…”
قلت:
“لو مش عايزة ترجعي، هحترم ده.”
“بس لو في يوم قررتي تديلي فرصة، هبدأ معاكي من الصفر.”
سكتت فترة طويلة.
وبعدين ابتسمت.
وقالت:
“أنا ما كنتش مستنية منك تبقى غني.”
“عارف.”
“ولا قوي.”
“عارف.”
“كنت مستنية منك تبقى موجود.”
بصيت لها.
“المرة دي أنا موجود.”
مدت إيدها.
وأنا مسكتها.
ما رجعناش نتجوز في اليوم ده.
ولا حاولنا نمسح اللي حصل.
بدأنا من جديد.
ببطء.
من غير وعود كبيرة.
ومن غير فلوس.
ومن غير خوف.
وبعد سنة، رجعنا لنفس المكان.
المرة دي أنا اللي طلعت خاتم من جيبي.
بصتلي داليا وضحكت.
وقالت:
“إنت لسه فاكر؟”
قلت:
“أنا فاكر كل حاجة دلوقتي.”
مدت إيدها.
ولما لبستها الخاتم، قالت:
“بس المرة دي لو رجعت تبقى الراجل القديم…”
قاطعتها:
“هتسيبيني.”
ضحكت.
“لأ.”
وبصت في عيني.
“المرة دي هفكرك بالوعد.”
ابتسمت.
وأنا لأول مرة فهمت إن بعض الناس مش بيخرجوا من حياتنا عشان يعاقبونا.
أحيانًا بيمشوا…
عشان يدونا آخر فرصة نرجع نعرف إحنا مين.
وداليا ما كانتش هربت مني.
هي كانت هربت من الرجل اللي كنت عليه.
ولما رجعت لي…
ما رجعتش لنفس الراجل.
رجعت لواحد أخيرًا عرف قيمة الست اللي كان ممكن يخسرها للأبد.
حكايات شروق خالد
عدت الأيام، ومع كل يوم كنت بتعلم أكتر إن الندم لوحده مش كفاية.
أنا خسرت فلوس كتير، وخسرت اسمي في شغل كنت فاكر إنه أهم حاجة في الدنيا، وخسرت ثقة ناس كتير بسبب أخطاء سمحت إنها تحصل وأنا مش شايف.
لكن أكبر خسارة كانت داليا.
والحاجة الوحيدة اللي أنقذتني إني فهمت ده قبل فوات الأوان.
ما طلبتش منها تنسى الخيانة.
وما طلبتش منها تسامحني بسرعة.
سيبتها تشوف التغيير بأفعال مش بكلام.
وبعد سنة، لما وقفت قدامها وطلبت منها فرصة جديدة، ما كانش في وعود كبيرة.
كان فيه راجل عارف أخيرًا إن الحب مش فلوس، وإن الجواز مش بيت فخم ولا سفر ولا هدايا.
الحب إنك تكون موجود.
داليا بصتلي وقالت:
“أنا مش هرجع للراجل اللي اتجوزته.”
ابتسمت وقلت:
“ولا أنا عايزك ترجعي له.”
مدت إيدها.
وقالت:
“يبقى نبدأ من جديد.”
مسكت إيدها.
ومن اللحظة دي، بدأنا حياة مختلفة.
مش مثالية.
ومش خالية من الخوف.
لكن حقيقية.
أما أبويا ومراد، فدفعوا تمن كل اللي عملوه بالقانون.
وأنا دفعت تمن أخطائي بطريقة مختلفة.
كل يوم كنت ببص لداليا وأفتكر إن الإنسان ممكن يخسر أغلى حاجة عنده وهو فاكر إنه بيحافظ عليها.
وفي ليلة هادية، وإحنا قاعدين قدام البحر، سألتني:
“لو رجع بيك الزمن، كنت هتعمل إيه؟”
بصيت لها وقلت:
“كنت هختارك من الأول.”
ابتسمت وقالت:
“لأ.”
استغربت.
قالت:
“لو رجع الزمن، كنت هتختار نفسك الصح من الأول… وساعتها كنت هتعرف تختارني من غير ما تخسرني.”
الكلمة دي فضلت جوايا.
لأنها كانت الحقيقة.
داليا ما كانتش مجرد الست اللي سامحتني.
كانت الست اللي أجبرتني أشوف نفسي على حقيقتها.
والست اللي اختفت في يوم…
هي نفسها اللي رجعت بعد شهور، مش لأنها نسيت وجعها، لكن لأنها شافت إن الراجل اللي كانت مؤمنة إنه ممكن يبقى أحسن، أخيرًا بقى موجود.
ومن يومها، كل ما أشوف صورتنا القديمة، ما بفتكرش الخيانة.
بفتكر الفرصة التانية.
وبفتكر إن بعض النهايات مش معناها إن الحكاية خلصت.
أحيانًا النهاية الحقيقية…
بتكون أول مرة نبدأ فيها صح.
مراتي اختفت بعد الطلاق
حكايات شروق خالد




