
فضلت واقفة مكاني مش قادرة أتكلم.
بصيت لأمي، وبعدين للدكتور نبيل.
«يعني إيه أبويا الحقيقي لسه عايش؟»
الدكتور نبيل ابتسم.
«يعني كل اللي اتقال لك طول عمرك كان نص حقيقة.»
أحمد وقف قدامي.
«كفاية ألغاز. قول الحقيقة.»
نبيل بص له وقال:
«إنت آخر واحد له حق يسأل عن الحقيقة.»
أحمد اتوتر.
أنا بصيت له.
«هو يقصد إيه؟»
أحمد سكت.
صرخت:
«أحمد! إنت عارف حاجة تانية؟»
قال:
«سارة، اسمعيني بس.»
«لا! كل واحد فيكم بيقولي اسمعيني، ومحدش بيقولي الحقيقة!»
أمي قربت مني.
«أنا هقولك.»
الدكتور نبيل ضحك بسخرية.
«دلوقتي؟ بعد خمسة وعشرين سنة؟»
أمي تجاهلته.
وقالت:
«قبل ما أتجوز حسن، كنت أعرف رجلًا اسمه يحيى.»
اتسعت عيني.
«يحيى مين؟»
«يحيى منصور.»
الاسم ماكانش غريب.
لكنني ماقدرتش أحدد فين سمعته قبل كده.
أمي كملت:
«كان حب عمري.»
بصيت لها بدهشة.
«طب ليه اتجوزتي أبويا؟»
دموعها نزلت.
«لأن يحيى اختفى فجأة.»
الدكتور نبيل قال:
«ما اختفاش.»
أمي بصت له بغضب.
«نبيل، كفاية.»
قال:
«الحقيقة لازم تتقال.»
ثم بص لي.
«يحيى كان موجود يوم الحريق.»
حسيت بقشعريرة.
«هو اللي قتل أبويا؟»
«لأ.»
«يبقى عمل إيه؟»
الدكتور نبيل سكت للحظة.
«كان بيحاول ينقذه.»
أمي بدأت تحكي.
يحيى كان شريكًا قديمًا لحسن، وكان أول شخص اكتشف إن محمود وسامح بيسرقوا أموال الشركة.
وفي الليلة اللي حصل فيها الحريق، جاء للبيت بعدما عرف إن حسن في خطر.
لكنه وصل متأخرًا.
حسن كان مصابًا.
والبيت بدأ يشتعل.
يحيى حاول يخرجه.
لكن قبل ما يقدر، وصل محمود وسامح.
حصل اشتباك.
وسامح ضرب يحيى على رأسه.
اعتقدوا إنه مات.
لكن يحيى كان لسه عايش.
الدكتور نبيل وجده مصابًا وأخذه سرًا للعلاج.
قلت:
«طب ليه ما رجعش؟»
الدكتور نبيل رد:
«لأن محمود هدده.»
ثم أضاف:
«وقال له إن لو ظهر، سارة هتموت.»
بصيت لأمي.
«وإنتِ؟»
قالت:
«كنت مصابة وفاقدة الوعي. لما صحيت، الدكتور نبيل قال لي إن كل اللي بحبه مات.»
«لكن إنتِ عرفتي إني عايشة.»
هزت راسها.
«بعد شهور.»
«وليه ما رجعتيليش؟»
انهارت في البكاء.
«كنت بحاول.»
«خمسة وعشرين سنة؟»
«كل مرة كنت أقرب منك، كانوا بيهددوني.»
الدكتور نبيل قال:
«ومحمود كان عنده رجال بيراقبوك.»
أحمد قال فجأة:
«أنا كنت واحد منهم.»
سكت الجميع.
بصيت له.
«إيه؟»
قال:
«قبل ما أتجوزك، كنت شغال مع شركة أمن.»
«وعمي كان عميلك؟»
«أيوه.»
«كنت بتراقبني؟»
«في البداية.»
«وبعدين؟»
صوته انكسر.
«وقعت في حبك.»
ضحكت وأنا بعيط.
«يعني جوازنا بدأ بمراقبة؟»
قال:
«أيوه.»
«ولما اتجوزتني… فضلت بتراقبني؟»
«لأ.»
«متأكد؟»
«أقسم لك.»
الدكتور نبيل قال:
«أحمد هو اللي وصل لي من شهور.»
بصيت له.
«إنت اللي خليت أحمد يجيب مريم؟»
أحمد هز راسه.
«كنت أعرف إن الست دي ممكن تكون أمك. لكن ماكنتش متأكد.»
الدكتور نبيل قال:
«وأنا كنت متأكد.»
سألته:
«إزاي؟»
قال:
«لأن فاطمة كانت بتكرر جملة واحدة وهي فاقدة الذاكرة.»
«إيه؟»
«سارة.»
قلبي انقبض.
«بس إزاي عرفت إنها أمي؟»
ابتسم.
«علامة الهلال.»
ثم أشار إلى الصورة.
«أنا شفت العلامة دي قبل خمسة وعشرين سنة.»
فجأة سمعنا صوت سيارات كثيرة توقفت أمام البيت.
أحمد بص من الشباك.
«إحنا محاصرين.»
الدكتور نبيل قال بهدوء:
«محمود.»
قلت:
«هو عرف إننا لقينا الدليل؟»
نبيل رد:
«مش محمود وحده.»
وفجأة اتفتح باب البيت.
دخل رجلان.
ثم ظهر رجل ثالث.
محمود.
كان ماسك مسدس.
وخلفه امرأة.
امرأة أول ما شفتها حسيت إن قلبي وقف.
أمي شهقت:
«ليلى.»
كانت خالتي.
واقفة خلف محمود.
لكن المفاجأة إنها ماكانتِش خايفة.
كانت بتبتسم.
قالت:
«وحشتيني يا أختي.»
أمي ردت:
«إنتِ السبب في كل ده.»
ليلى ضحكت.
«أنا؟»
ثم بصت لي.
«هي ما قالتلكيش الحقيقة كاملة.»
بصيت لأمي.
«إيه الحقيقة؟»
ليلى قالت:
«أمك ما كانتش ضحية.»
أمي صرخت:
«ليلى!»
«أيوه.»
ثم نظرت لي.
«هي كانت شريكة حسن.»
اتسعت عيني.
«شريكة في إيه؟»
ليلى قالت:
«في الشركة… وفي الأموال.»
أمي هزت راسها.
«كذب.»
ليلى ضحكت.
«يبقى قولي لها ليه حسن كان ناوي يطلقك قبل موته؟»
أمي سكتت.
بصيت لها.
«ماما؟»
ما ردتش.
ليلى اقتربت خطوة.
«عارفة ليه؟»
هزيت راسي.
«لأن حسن اكتشف إن أمك كانت بتحول فلوس من الشركة لحساب يحيى.»
سكت المكان.
«وده معناه…»
ليلى قاطعتني:
«إن أبوكي الحقيقي مش بس كان عايش.»
ثم أشارت خلفها.
دخل رجل مسن ببطء.
أول ما شفته، حسيت إن ملامحه مألوفة بشكل مرعب.
عينيه.
ابتسامته.
حتى طريقة وقوفه.
أمي حطت إيدها على بوقها.
«يحيى…»
الرجل وقف قدامي.
دموعه نزلت.
وقال:
«سارة.»
أنا ماقدرتش أتحرك.
وبعدين قال:
«أنا أبوكي.»
لكن قبل ما أقدر أرد…
دوّى صوت طلقة.
وسقط الدكتور نبيل على الأرض.
صرخت أمي.
أحمد سحبني خلفه.
ومحمود رفع مسدسه مرة تانية.
لكن المرة دي…
ليلى هي اللي صرخت:
«محمود! إنت مجنون؟!»
محمود بص لها.
«خلاص يا ليلى. مفيش وقت.»
ثم وجه المسدس ناحية يحيى.
لكن يحيى قال بهدوء:
«إنت اتأخرت خمسة وعشرين سنة.»
محمود ضغط على الزناد.
وفي اللحظة نفسها…
أحمد اندفع عليه.
وانطلقت الرصاصة.
لكنها لم تصب يحيى.
أصابت أحمد.
صرخت بأعلى صوتي:
«أحمد!!!»
وقع زوجي على الأرض.
والدم بدأ يظهر على قميصه.
جريت عليه.
«أحمد! افتح عينيك!»
فتح عينيه بصعوبة.
وقال:
«ما تخافيش… أنا هنا.»
لكنني كنت عارفة…
إن الليلة دي لسه ما خلصتش.
لأن ليلى كانت واقفة في منتصف الغرفة…
وبإيدها هاتف.
وكانت بتسجل كل كلمة حصلت.
ثم قالت لمحمود:
«خلصنا.»
محمود بص لها.
«إنتِ بتعملي إيه؟»
ابتسمت.
«أنا بعمل اللي كان لازم أعمله من زمان.»
ورفعت الهاتف.
«كل اعترافاتك اتسجلت.»
محمود اتجمد.
ليلى قالت:
«وأرسلت نسخة للشرطة.»
ثم بصت لي.
«أنا خنتهم… قبل ما يعرفوا.»
وساعتها فهمت…
إن أشرس شخص في القصة كلها…
ماكانش محمود.
ولا سامح.
ولا حتى الدكتور نبيل.
كانت الحقيقة نفسها… لأنها أخيرًا خرجت للنور.
حكايات شروق خالد
فضلت راكعة جنب أحمد، وإيدي على مكان الرصاصة، وأنا بصرخ:
«اتصلوا بالإسعاف! بسرعة!»
رجال الأمن اندفعوا للبيت، وبعد دقائق قليلة كان المكان كله مليان حركة وصوت عربيات الإسعاف والشرطة.
محمود حاول يهرب، لكن رجال الشرطة قبضوا عليه.
وسامح اتقبض عليه بعدها بساعات، لما الشرطة وصلت لمكان اختبائه بناءً على المعلومات اللي كانت ليلى قد سجلتها.
أما خالتي ليلى، فوقفت مكانها وما حاولتش تهرب.
كانت بتبص لأمي.
أمي قالت لها بصوت مليان وجع:
«ليه يا ليلى؟»
ليلى نزلت عينيها.
«عشان كنت غبية.»
«غبية لدرجة إنك ساعدتيهم يقتلوا حسن؟»
بدأت تعيط.
«أنا ماكنتش عارفة إنهم هيقتلوه.»
أمي ردت:
«لكن عرفتي بعدين.»
هزت ليلى رأسها.
«آه.»
«وسكتي.»
«آه.»
«وساعدتيهم يخفوا الحقيقة.»
قالت وهي منهارة:
«كنت خايفة.»
أمي بصت لها طويلاً.
«وأنا كمان كنت خايفة.»
ثم أشارت إليّ.
«بس بنتي عاشت خمسة وعشرين سنة وهي فاكرة إن أمها ماتت.»
ليلى غطت وشها بإيديها.
«أنا عارفة.»
أما أنا، فماكانش عندي طاقة أسمع أي شيء.
كنت في المستشفى.
قاعده قدام غرفة العمليات.
أمي على يميني.
ويحيى على شمالي.
الرجل اللي قيل لي طوال حياتي إنه أبويا، اتضح إنه مش أبويا بالدم.
والرجل اللي ماعرفتش عنه حاجة تقريبًا، كان واقف قدامي لأول مرة.
أخيرًا خرج الطبيب.
وقفت بسرعة.
«أحمد؟»
الدكتور ابتسم ابتسامة صغيرة.
«العملية نجحت.»
حسيت برجلي بتضعف.
«يعني هو بخير؟»
«الرصاصة كانت في منطقة خطيرة، لكن قدرنا نسيطر على النزيف.»
غمضت عيني.
ونزلت دموعي.
بعد ساعات، سمحوا لي أدخل له.
كان أحمد نايم.
وشه شاحب.



