
زعيم ابتسم وهو يسمعها تلعنه بالصعيدي: «قوليها تاني… بس المرة دي وإنتِ باصة في عيني!»
هي ماكانتش تقصد إنه يسمعها.
الشتيمة خرجت من بين شفايفها بالطريقة اللي كانت دايمًا بتطلع بيها لما حاجة تعصبها—سريعة، حادة، مصرية، وقاسية.
كلمة اتعلمتها من جدتها، وكانت عمرها ما تستخدمها قدام حد غريب.
لكن الصالة كلها غرقت فجأة في صمت تقيل.
وببطء، الراجل اللي كان واقف عند باب القصر لف ناحيتها.
وكان بيبتسم.
مش ابتسامة واحد اتضايق من اللي سمعه.
دي كانت ابتسامة واحد لقى بالضبط الحاجة اللي كان بيدور عليها.
وقال بصوت واطي:
«قوليها تاني.»
وبعدين قرب خطوة وأضاف:
«بس المرة دي، وإنتِ باصة في عيني وإنتِ بتقوليها.»
كان عند نادين مراد قاعدة بخصوص القصور.
هي عمرها ما وثقت فيها.
لا في السقوف العالية، ولا في اللوحات القديمة اللي كانت عيون أصحابها المرسومة عليها تفضل تراقبك، ولا في الهدوء الغريب اللي بينزل على المكان كأنه مخبي مصيبة.
على مدار اتنين وعشرين سنة وهي بتشتغل في تقييم التحف والقطع الأثرية، دخلت نادين بيوت وقصور من أغلى وأجمل البيوت في مصر، واتعلمت—وأحيانًا بالطريقة الصعبة—إن كل ما المكان كان أفخم، كل ما كان تاريخه أخطر.
لكن الشغلانة دي كانت بتدفع مبلغ خرافي.
ودي كانت القاعدة التانية عندها:
ما تسألش كتير لما الفلوس تكون كبيرة للدرجة دي.
لكنها دلوقتي كانت بدأت تندم على القاعدتين.
المكتب كان موجود في نص مكتبة بالطابق التالت من قصر قديم في الزمالك، قصر واسع عمره عشرات السنين، ومتحافظ عليه بشكل يخلي أي متحف يحترم نفسه قدامه.
أما المكتب نفسه…
يا نهار أبيض.
المكتب كان تحفة حقيقية.
قطعة أوروبية نادرة من القرن السابع عشر، مصنوعة من خشب الجوز، ومطعّمة بخشب غالي ونقوش دقيقة، من النوع اللي محتاج صانع محترف يقضي سنين طويلة عشان يتعلم أسراره.
أرجل المكتب كانت محفور عليها أغصان وأشكال نباتية، وفوقها شعار قديم لعيلة مش عارفة تحدد أصلها لحد دلوقتي.
سطح المكتب كان عليه آثار استعمال قديم، في أماكن محددة بالضبط، بالشكل اللي يثبت إن القطعة دي ماكانتشي مجرد تحفة محطوطة للفرجة.
دي كانت حاجة اتعاشت معاها سنين.
ونادين كان عندها نقطة ضعف غريبة تجاه الحاجات اللي عاش أصحابها معاها.
حطت شنطتها على الأرض جنب المكتب، ولبست الجوانتي الأبيض، وبدأت شغلها.
عدّى حوالي أربعين دقيقة وهي بتقيس، وتصور، وتقارن النقوش بالصور الموجودة في قاعدة بياناتها، لحد ما اكتشفت أول مشكلة.
الركن الخلفي الشمال من الدرج السفلي ماكانش راكب في مكانه كويس.
فرق بسيط جدًا.
يمكن مليمترين.
لكن مليمترين في قطعة بالدقة دي ماكانوش ممكن يكونوا صدفة.
يا إما المكتب اتعرض لتلف، وده كان مستبعد جدًا بسبب حالته الممتازة، يا إما الموضوع كان مقصود.
نزلت نادين على ركبتها، وسحبت الدرج كله، وبدأت تتحسس القاعدة من جوه.
صلب.
مفيش فراغ.
ضغطت على اللوح الجانبي الشمال.
ولا حاجة.
ضغطت على اليمين.
برضه ولا حاجة.
«يا ابن الـ…»
وقفت نفسها قبل ما تكمل.
وجربت الجزء السفلي من إطار الدرج.
صوابعها لمست حاجة.
دبوس نحاس صغير جدًا، أرفع من عود الكبريت تقريبًا، ومثبت جوه الخشب بطريقة تخليه شبه مستحيل يتشاف.
نادين ماكانتشي شافته لأنها ببساطة ماكانتش بتدور عليه.
إنت عمرك ما بتدور على حاجة إنت أصلًا ماتعرفش إنها موجودة.
«يا خراب بيتك…»
همست بيها وهي متضايقة.
وبعدين ضغطت على الدبوس.
مفيش حاجة حصلت.
«ابن الكلب…»
خرجت منها الكلمة بهدوء، لكنها كانت مليانة غيظ.
الكلمة دي كانت جدتها دايمًا بتقولها لما حاجة تتعقد قدامها.
لكن نادين ماخدتش بالها إنها قالتها بصوت عالي.
إلا لما الغرفة ردت عليها.
مش بالصمت.
لكن بصوت باب بيتفتح.
وبعدين سمعت صوت راجل منخفض، هادي، وفيه ابتسامة واضحة:
«قوليها تاني.»
إيد نادين ثبتت مكانها.
«بس المرة دي…»
الصوت كمل، وخطوات بطيئة بدأت تقرب منها من وراها.
«بصيلي وإنتِ بتقوليها.»
وقفت نادين.
ولفتت.
وفي اللحظة دي فهمت إنها ارتكبت غلطة ممكن تدفع تمنها غالي جدًا.
الراجل اللي قدامها ماكانش بالشكل اللي توقعته.
في الحقيقة، هي أصلًا ماكانتشي متوقعة وجود أي حد.
الشركة اللي كلفتها بالتقييم قالت لها إن صاحب القصر مش هيكون موجود، وده كان شيء طبيعي في الشغلانات الكبيرة.
غالبًا بيبعتوا محامي أو مدير أملاك، أو بيسيبوا لها مفتاح ورقم للتواصل في حالة الطوارئ.
لكن محدش قال لها إنه هيظهر بنفسه.
كان طويل، لابس بدلة سوداء من غير رابطة عنق.
وشه حاد وملامحه هادية بشكل يخوف، وعينيه سودا وثابتة.
من النوع اللي مش محتاج يزعق عشان الناس تسمع كلامه.
شعره أسود، وفيه خصلات فضية عند الصدغين، وكان واقف بمنتهى الثقة، كأنه صاحب المكان وكل اللي فيه.
بص لها بنفس الطريقة اللي الراجل بيبص بيها لحاجة فاجأته.
مش غضب.
مش إهانة.
فضول.
وده كان أسوأ.
«أنا آسفة.»
قالتها نادين، وندمت على اعتذارها فورًا.
«ماكنتش أعرف إن حضرتك موجود…»
«إنتِ ماجاوبتيش على سؤالي.»
رمشت.
«سؤال إيه؟»
«أنا طلبت منك تقوليها تاني.»
مال برأسه شوية.
«الكلمة اللي قلتيها.»
نادين بصت له باستغراب.
«مش شايفة إن ده ضروري.»
«مش ضروري.»
قالها بهدوء.
«بس أنا بطلبه.»
الصمت بينهم بقى تقيل.
ونادين عملت الحاجة اللي دايمًا بتعملها لما بتخاف:
بقت دقيقة جدًا في كلامها.
«قلت: ابن الكلب.»
قالتها بوضوح.
«كنت بتكلم عن الدرج. آليته معقدة شوية.»
سكت الراجل لحظة.
وبعدين ابتسم.
«أنا عارف.»
نادين قطبت حاجبيها.
«عارف إيه؟»
«عارف إنك كنتِ بتشتمي الدرج.»
ضحكت ضحكة قصيرة متوترة.
«يبقى خلاص، مفيش مشكلة.»
«أنا محمود الدمنهوري.»
قال اسمه بهدوء.
لكن الاسم وقع عليها زي حجر.
نادين كانت تعرفه.
مش معرفة شخصية.
لكن الاسم ده كان معروف في القاهرة كلها.
رجل أعمال ضخم.
نفوذه واسع.
وثروته أكبر مما الناس تتخيل.
لكن كان فيه جانب تاني للاسم.
جانب الناس ما بتحبش تتكلم عنه.
الناس اللي تعرف، كانت لما تسمع اسم محمود الدمنهوري، توطي صوتها وتسكت.
نادين حاولت تخلي وشها ثابت.
«أه… فهمت.»
«فهمتي فعلًا؟»
«فهمت إن حضرتك صاحب القصر.»
«أيوه.»
قالها ببساطة.
«وأنا ماكنتش عايزك تعرفي إني موجود.»
«ليه؟»
ابتسم.
«كنت عايز أشوفك هتعملي إيه وإنتِ فاكرة إن محدش بيراقبك.»
نادين حست بقشعريرة باردة تمشي في جسمها.
محمود مشي ناحية المكتب، وحط إيده على سطحه.
«قالوا لكِ إن المكتب ده هيتباع ليه؟»
«تصفية تركة.»
قالت وهي بتحاول تحافظ على هدوئها.
«ده اللي مكتوب في العقد.»
«ولقيتي حاجة؟»
نادين بصت للدرج المفتوح.
وبعدين بصت له.
«المكتب قطعة نادرة جدًا. النقوش…»
«مش ده اللي بسألك عنه.»
سكتت.
عينيه ثبتت عليها.
كان بيقرأها.
كل حركة.
كل تردد.
كل كلمة بتقولها.
وكل كلمة بتخبيها.
«إنتِ لقيتي حاجة في الدرج.»
ماكانش سؤال.
«لقيت دبوس صغير وآلية مخفية.»
قالت بحذر.
«ممكن تكون جزء من التصميم…»
«مش جزء من التصميم.»
قالها فورًا.
نادين ثبتت مكانها.
«أستاذ محمود…»
«المكتب فيه تجويف سري.»
قالها بهدوء.
«جدي هو اللي أمر بصناعته من سنين طويلة. وكان بيخبي فيه حاجة مهمة جدًا.»
بص للدرج.
«المكتب ده اتسرق من عيلتنا من واحد وتلاتين سنة.»
نادين اتفاجئت.
«اتسرق؟»
«أيوه.»
رفع عينيه لها.
«والراجل اللي سرقه كان صاحب القصر ده قبل ما .»
نادين بدأت تفهم إن الشغلانة دي مش مجرد تقييم تحفة قديمة.
«أنا آسفة، بس أنا اتكلفت بتقييم المكتب للمزاد. مش أكتر.»
«أنا مش طالب منك أكتر.»
قالها.
«أنا عايزك تساعديني أفتح التجويف.»
نادين هزت رأسها.
«لأ.»
الكلمة خرجت منها واضحة.
محمود بص لها.
مااتضايقش.
مااستغربش.
بالعكس.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
«لأ؟»
«أنا ماعرفش إيه اللي جواه، وماعرفش إذا كان فعلًا بتاع عيلتك ولا لأ. وأنا مسؤولة قانونيًا عن القطعة دي قدام أصحاب التركة. مش هقدر أساعد حضرتك.»
محمود فضل ساكت لحظات.
وبعدين قال:
«رخصتك.»
نادين اتجمدت.
«إيه؟»
«رخصة تقييم التحف بتاعتك.»
بص لها مباشرة.
«بدأتي الشغل سنة 2006، واتجددت كل تلات سنين.»
قلبها بدأ يدق أسرع.
«كان عندك مشكلة سنة 2019. عميل اتهمك إنك قيّمتي قطعة بأقل من سعرها الحقيقي.»
نادين وشها شحب.
«الشكوى كانت كيدية واترفضت.»
«أنا عارف.»
قالها بمنتهى الهدوء.
«بس الشكاوى مش لازم تكون صحيحة عشان تعمل مشاكل.»
سكت لحظة.
«لو ظهرت شكوى جديدة من عميل له نفوذ… حتى لو كانت ملفقة، الموضوع ممكن يكبر جدًا.»
نادين بصت له بصدمة.
«إنت بتهددني؟»
«لأ.»
قالها بهدوء.
«أنا بحذرك.»
«من إيه؟»
«من إنك تختاري الطريق الغلط.»
قرب خطوة.
«أنا مش عايز أضرّك يا نادين.»
اتسعت عينيها.
«إنت تعرف اسمي؟»
ابتسم.
«أنا عارف عنك حاجات أكتر مما تتخيلي.»
سكتت.
ثم قال:




