منوعات

علامة على الكتف حكايات شروق خالد

بناديها بالاسم ده. مش عشان أوجعك، والله العظيم أبدًا.. بس عشان ما أحسش إنها اتنسيت في الدنيا دي كأنها ما جتش!
كلامه نزل عليا زي القلم. حسيت بالذنب بيعصر قلبي. أنا كنت مفكرة إني بالرفض والبعد بنسى الوجع وبحمى نفسي، بس ما فكرتش لحظة إن هو كمان كان بيوجع لوحده، وإن حزني أنا عمايا عن وجعه هو كمان.
بصيت للطفلة اللي في إيديه، لمليكة التانية اللي ربنا عوضنا بيها.. وبعدين بصيت له وهو بيترعش من كتر الكتمان.
مديت إيدي بالراحة، وحطيتها على كتفه، ونزلت دمعة حامية على وشي، وقلت له بصوت مكسور بس دافي:
— حقك عليا أنا.. سامحني إني قفلت بابي وعزلت نفسي عنك يومها، وسبتك تشيل الوجع ده لوحدك سنين.
رفع راسه وبص لي بعيون مليانة دمع، ولقيته بيشدني لحضنه بإيده التانية اللي مش شايلة البنت، وبقى يعيط على كتفي وهو بيقول:
— خلاص يا حبيبتي.. هي جت أهي، عوض ربنا جه لحد عندنا.
وفي لحظتها دي، وسط الدموع والوجع القديم اللي بان واتحكى، حسيت إن الجرح القديم التلت واقفل أخيراً، وإن بيتنا أخيرًا اتملى بروح جديدة واسم جديد بيجمعنا كلنا.
#حكايات_شروق_خالدقعدنا ساكتين دقائق طويلة، الصوت الوحيد اللي كان في الأوضة هو صوت نفس بنتنا الصغيرة المنتظم وهي نايمة في أمان، كأنها ملاك نزل يطهر البيت من كل الأحزان القديمة اللي عاشت في جدرانه سنين.
كريم مد إيديه بالراحة وربط البنت في حضني، وقال بصوت هادي وعينيه لسه بتلمع بالدموع:
— تعالي.. شيلي أختها.. شيلي “مليكة”.
أول ما اسمها نزل على ودني، حسيت بقشعريرة سرت في جسمي كله، بس المرة دي ما كانش وجع.. كان إحساس غريب بالسلام. مديت إيدين مرتعشة وأخدتها من حضنه، وحضنتها لصدري بقوة. بصيت في وشها الصغير، ولقيت نفسي ببتسم وسط دموعي وأنا باسط على نفس العلامة الصغيرة اللي على كتفها.. العلامة اللي كانت مفتاح لقلب اتقفل سنين، ورجعت فتحته تاني.
قولت له بصوت مكسور بس فيه رضا الدنيا:
— أهلاً بكي يا مليكة.. نورتي دنيتنا وبيت أبوكي وأمك.
من اليوم ده، البيت اتغير تماماً. الأوضة اللي كانت مقفولة ومظلمة سنين، وبابها بيجيب لنا كآبة كل ما نعدي جنبها.. فتحناها وبقت أوضة مليانة لعب وملابس ألوانها تفرح القلب. الكتمان والخرس اللي كان ما بيني وبين كريم اختفى، وبقينا نتكلم عن كل حاجة، حتى الوجع والذكريات القديمة بقت حاجة بنشاركها سوا بدل ما كل واحد فينا يشيلها لوحده في السر.
عرفت ساعتها إن الوجع مهما طال، بيلقي ليه نهاية لما بنسمح للحب والمسامحة يدخلوا قلوبنا. وإن العوض بتاع ربنا لما بيجي، مش بس بيصلح اللي اتكسر، ده بيبني من الركام حياة جديدة أحلى بكتير من اللي حلمنا بيها.
ومرت الأيام والشهور، وبنتنا مليكة بقت هي نور البيت وبهجته. كل ضحكة بتطلع منها كانت كفيلة تمحي أي ذكريات مرة أو وجع قديم عشنا فيه سنين.
أنا وكريم بقينا أقرب لبعض أكتر من أي وقت فات. الحائط اللي بناه الخوف والصمت بيننا اتهد وبقى مكانه تفاهم وحب حقيقي. حتى أوضة الأطفال اللي كانت رمز للحزن والانتظار، بقت مليانة باللعب والضحك والهدوم الملونة الصغيرة.
في عيد ميلاد مليكة الأول، عملنا تورتاية صغيرة في البيت، وقعدنا أنا وهو وهي لوحدنا. بصيت لكريم وهو شايلها وبيقكلها حتة من التورتاية وبيضضحكوا، وحمدت ربنا ألف مرة إننا ما استسلمناش لليأس، وإن ربنا عوضنا بسلام قلوب ما كنتش أتخيل في يوم إنها ترجع تتدمل.
ساعات الوجع بيكسرنا، بس أحياناً بيكسر الحواجز اللي جوانا عشان يخلي الحب يدخل أوسع وأطول وأقوى.. ومليكة كانت هي الباب الكبير اللي دخل منه النور لحياتنا للأبد.
#حكايات_شروق_خالد

علامة على الكتف

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى