
وعيلته كلها عرفت..
وفي خلال ساعات قليلة، إحنا التلاتة هنكون قاعدين في أوضة واحدة عشان نشرح للكل إيه اللي خلّي جوزي يشتري قصر لمساعدته بينما مراته قاعدة في البيت بتربي ابنه الرضيع.
ركبت عربيتي، وسيقاناي لسه ثابتة وعقلي حاضر بكل خطوة. طول الطريق لحد بيت العائلة في الزمالك، كان تليفوني بيرن ورا بعضه من آسر، بس ما فتحتش ولا مكالمة واحدة. خليه يشرب من نفس الكاس اللي سقانيني منه، وخليه يفكر ألف مرة في الهيبة اللي اتهزت قدام موظفينه وفي عينه.
لما وصلت قصر الزمالك القديم، كان الحارس فاتح البوابة من غير ما يستنى يسأل، كأنه كان حاسس إن العاصفة جاية. دخلت الصالون الكبير، ولقيت جده الحاج محمود قاعد على كرسيه الجلدي العتيق، ووالده قاعد جنبه ووشه مقلوب من الغضب المكتوم.
اول ما دخلت، وقف الجد وبص لي بعينين حادتين بس فيها نظرة احترام، وقال بصوت خشن:
“قعدي يا فريدة.. آسر بلغنا إنه جاي في السكة. اللي عملتيه ده مش هين يا بنتي، بس اللي هو عمله أهون منه مافيش.”
قعدت بهدوء، وحطيت شنطتي جنبي، وقلت بصوت هادي وثابت:
“يا جدي، أنا استحملت كتير عشان اسم العيلة وعشان العِشرة، لكن لما الموضوع يوصل لإن بيتي وابني الرضيع يبقوا آخر همّه، ويشتري قصور لستات تانية بفلوسنا، يبقوا هو اللي هان العشرة دي الأول.”
قبل ما حد ينطق بكلمة تانية، باب الصالون اتفتح بعنف. دخل آسر ووشه أحمر من الغضب والعصبية، وعينيه طايرة من كتر الصدمة والضغط. بص لأبوه وجده وبعدين بص لي وقال بصوت عالي:
“إنتي اتجننتي رسمي يا فريدة؟! إزاي تعملي فيا كدة قدام الشركة كلها وتفضحيني بالشكل ده؟!”
هنا وقف والده بحجمه الضخم وقال بصوت رعدي هز أركان الصالون:
“اخرس خالص يا آسر! صوتك ما يعلاش جوه البيت ده! فضيحتك أنت اللي على كل زبان، مش هي اللي فضحتك. أنت اللي بعت مبادئ العيلة عشان نزوة رخيصة!”
آسر اتجمد مكانه، ومبقاش عارف ينطق حرف قدام أبوه وجده. الجد بص له نظرة أخيرة وقال له بحسم:
“اسمعني كويس يا آسر.. القصر اللي اشتريته للست دي هيتكتب باسم فريدة فوراً، وشهد دي تترد من الشركة بكره الصبح من غير حقوق، وهتتقعد في بيتها. ولو سمعت إنك فتحت بوقك بكلمة معاها تاني، هعتبرك برة عائلة الشاذلي كلها، وحصتك في المجموعة هتحول لإدارة العيلة.”
آسر بلع ريقه بصعوبة بالغة، وبص لي بنظرة كلها رجاء وانكسار، بس قلبي كان قفل تماماً.
قمت وقفت، وبصيت لهم بهدوء، وقلت:
“أنا مش عايزة القصر بتاعه يا جدي.. أنا بكره الصبح هيكون محاميّ عندك هنا عشان نخلص إجراءات الطلاق، وابني هيكون في حضانتي.. والباقي يخليه لنفسه ولعشيقته.”
خرجت من القصر وسيبتهم قاعدين، وركبت عربيتي وأنا حاسة إن الهوا أخيرًا دخل صدري ودخلت في مرحلة جديدة وحقيقية من عمري، مرحلة مفيهاش أي كدبة ولا أي تنازل.
رجعت على البيت وأنا حاسّة إن الدنيا أخيراً بقت واسعة، وإن الهوا اللي بدخله صدري بقى نقي من أي كدب أو خوف. عدّيت على الأوضة، لقيت ابني حبيب صابر نايم نومة هادية وعميقة، بوسته على جبينه بشويش، وحسيت إن كل خطوة عملتها اليومين دول كانت عشان اللحظة دي.. عشان أضمن له أم وأمان حقيقيين، مش مجرد اسم كبير في عيلة همّها المظاهر وبس.
تاني يوم الصبح، وبالتحديد الساعة عشرة، كان محاميّ الخاص قاعد في صالون بيت العيلة مع جدي وأبو آسر، ومعاه ملف الطلاق وورقة التنازل ونقل ملكية كل الأصول اللي تخص ابني وضمانات مستقبله. آسر كان قاعد في ركن الغرفة، ووشه باهت ومكسور، كأنه لسه مش مصدق إن الإمبراطورية اللي بناها والدنيا اللي كان بيحركها على كيفه، اتهزت ووقعت لمجرد إنه ظنّ إن مراته هتسكت وتعديها.
وقّع على كل الأوراق من غير ما ينطق حرف واحد. محاميّه حاول يتدخل في تفاصيل صغيرة، بس نظرة واحدة من جدي الحاج محمود كانت كفاية عشان يبلع كلامه ويسكت.
خلصنا كل حاجة، وخدت ابني وأوراقي، وطلعت من قصر الزمالك وأنا عارفة إن الصفحة دي اتقفلت للأبد.
بعدها بشهور، فتحت شركتي الخاصة للاستثمار العقاري وإدارة المشاريع، واستغلت خبرتي اللي اكتسبتها طول سنين جوازي، ونجحت نجاح مكنش حتى آسر يتوقعه. بقيت أنا السيدة اللي بتدير وتأمر وتختار، مش اللي بتستنى في البيت على أمل إن جوزها يفتكرها.
أما آسر، فحاول يرجع يتقرب أكتر من مرة، وكان بيبعت ليساومني أو يتكلم عن العشرة، بس كنت بكتفي برد واحد، وببعت له رسالة قصيرة:
“اللي يفرط في الأصل، يستاهل يعيش على الرماد.”
والنهارده، وأنا قاعدة في بيتي الخاص، وشايفه ابني بيتكبر قدامي وهو رافع راسه، بفهم كويس إن أوقات الصدمات هي اللي بتصحّينا، وإن أثمل حاجة ممكن تملكها الست هي نفسها، وكرامتها، وحريتها اللي متتعوضش بكنوز الدنيا كلها.
ثمن الكرامة
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




