روايات وقصص

ابن المافيا في القمامة#حكايات_شروق_خالد

صوفيا هزت رأسها بالرفض، وقالت بصوت هادي: “لا يا بيه.. بس لما نزلت وجريت على الصندوق، لقت علبة الدواء دي مرمية جنبه، وكانت لسه دافية.”

مدت صوفيا إيدها الثانية وطلعت شريط دواء فاضي من جيب بلوزتها المبلولة.. أول ما المحامي بتاع مراد شاف الشريط، شهق وقال بصوت واطي: “ده دواء مهدئ قوي جداً وخطير.. ده مش بيتصرف غير بروشتة خاصة أوي!”

مراد أخد الشريط، ونظراته اتحولت لشاهيناز اللي بدأت ترجع لورا بخطوات سريعة ناحية السلم وهي بتقول: “أنت بتبص لي كده ليه؟ أنت هتصدق كلام خدامين وبت صغيرة؟ أنا مراتك يا مراد!” حكايات شروق خالد.

مراد قام وقف بمنتهى الهدوء المرعب، وشاور للحراس وقال: “محدش يخرج من البيت ده.. وأنتِ يا شاهيناز، لو خطوتِ خطوة واحدة كمان على السلم، هعتبر ده اعتراف صريح منك.”

شاهيناز اتسمرت مكانها والدموع اتجمدت في عينها من الخوف.. وفي اللحظة دي، مراد طلع تلفونه وطلب رقم المدير الطبي لمستشفى “دار الشفاء”، وحط التلفون على الميكروفون الخارجي قدام الكل.

أول ما الدكتور رد، مراد قال بنبرة آمرة: “أنا مراد بيه.. الرقم المحفور على الحظاظة اللي آخره 402، الملف ده باسم مين فوراً؟” حكايات شروق خالد.

الدكتور اتوتر على التلفون وقال: “يا مراد بيه.. الملف ده مقفول بقاله ست شهور، وده الملف الخاص بابنك اللي اتولد وتوفى في الحضّانة أول ما اتولد!”

الصالون كله اتكهرب! مراد بص للطفل اللي في إيد صوفيا، وبعدين بص لشاهيناز وقال للدكتور بصوت يهز الجبال: “الطفل ده عايش وزي الفل وفي حضني دلوقتي.. مين اللي بصم على شهادة وفاته وتسليمه برة المستشفى؟”

الدكتور بلع ريقه وصوته كان بيرتجف: “المدام شاهيناز هي اللي طلبت تقفل الملف وتسلم الجثة للدفن بنفسها، ودفعت مبلغ كبير عشان محدش يراجع الأوراق!” حكايات شروق خالد.

تلفون مراد وقع من إيده على السيراميك واتكسر نصين من قوة الصدمة.. التفت لشاهيناز اللي وقعت على ركبتها وهي بتصرخ وتبكي: “سامحني يا مراد! كان هيضيع منك كل أملاكك لو عرفت إن ابني الأولاني مات وهيجي مكانك إخواتك يشاركونا! أنا بدلت العيل الميت بعيل تاني وعشت في عذاب، ولما الخوف أكلني قلت أخلص منه وأرميه قبل ما تكشفني!”

مراد بص لها بقرف وكره عمره ما حس بيه قبل كده، وقال للحراس: “خدوها واطلبو البوليس.. المكان الوحيد اللي يستحقها هو السجن.”

وبعد ما البوليس أخد شاهيناز، قرب مراد من إلهام وبنتها صوفيا، وأخد الطفل بالراحة بين إيديه والدموع نازلة من عينيه لأول مرة في حياته.. حكايات شروق خالد.

بص لصوفيا وقال لها ونبرته مليانة امتنان وجبر خاطر: “أنتِ أنقذتي ابني ورجعتي لي روحي يا صوفيا.. من النهاردة أنتِ ومش أمك بس خدامين في البيت، أنتِ بنتي الكبيرة وأخت ابني، وليكِ نصف أملاكي وزيادة.”

ومرّت السنين بسرعة، والبيت الكبير اللي كان زمان مليان خوف وقسوة، بقى أخيرًا مليان دفا وحياة. حكايات شروق خالد.

الطفل الصغير مراد جونيور كبر وبقى عنده ست سنين، وكان متعلّق بصوفيا بشكل مش طبيعي، مابيناديهاش غير “أختي الكبيرة”، وما بياكلش ولا يلعب إلا وهي جنبه.

وصوفيا كبرت وبقت في أجمل مراحل شبابها، وبقت هي المسؤولة الأولى عن إدارة مؤسسات مراد بيه وشركاته، بعد ما دخلها أرقام المدارس والجامعات الخاصة وحرص إنها تاخد أعلى تعليم في البلد.

في يوم، كان مراد بيه قاعد في الجنينة وبيشرب قهوته وهو بيبص على صوفيا والمراد الصغير وهما بيلعبوا وبيضحكوا بصوت عالي.. قربت منه إلهام أم صوفيا وحطت قدامه طبق الفاكهة وهي بتدعي له بدموع الفرحة: “ربنا يديك الصحة يا مراد بيه، أنت غيرت حياتنا وجبرت بخاطرنا بعد ما كنا مش لاقيين اللقمة.”

ابتسم مراد بيه وبص لها وقال بنبرة مليانة رضا: “أنتِ اللي بنتك نجدت بيتي ورجعت لي ابني من الموت يا إلهام.. ربنا جعلها سبب في إن القسوة تطلع من قلبي، وعرفت إن الفلوس والنفوذ مالهمش أي قيمة لو البني آدم عاش من غير رحمة وأمان.” حكايات شروق خالد.

وفجأة جري مراد الصغير وقعد على ركبة أبوه، ومسك إيد صوفيا وقال بضحكة بريئة: “عارف يا بابا؟ أنا لما أكبر هبقى بطل زي صوفيا، وهدافع عن كل الناس الغلابة عشان محدش يرمي حد في الزبالة تاني!”

حضنهم مراد بيه هما الاتنين لقلبه، وبص للسما الصافية وقال في سره: “الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. إن الحق مهما غاب، لازم يرجع لأصحابه، والنية الصافية والخير اللي بتزرعه بيفضل عايش ويحميك أنت وأولادك طول العمر.” حكايات شروق خالد.

وبعد مرور سنين تانية، بقى مراد جونيور شاب زي الورد، ودخل كلية الشرطة عشان يحقق حلمه ويحمي المظلومين زي ما وعد أبوه وهو صغير. حكايات شروق خالد.

وفي يوم حفل تخرجه، كان مراد بيه قاعد في أول صف، وجنبه صوفيا وإلهام، وعينيه مليانة دموع الفرحة والعز. أول ما مراد جونيور استلم شهادته والميدالية، ما جريش على حد في القاعة غير على صوفيا!

حضنها قدام الكل وقال بصوت عالي: “الشهادة دي لأختي وصاحبة فضلي.. الإنسانة اللي أنقذت حياتي وهي مجرد طفلة، وكانت لي الأم والأخت والسند طول عمري!”

سقف الجميع في القاعة بحرارة، وابتسم مراد بيه وهو بيشوف الثمرة اللي زرعها من سنين بتكبر وتنور حياتهم كلها. حكايات شروق خالد.

وعاشت العيلة في عز وأمان، وعرفت صوفيا إن ربنا ما بيضيعش أجر من أحسن عملاً، وإن اللحظة اللي مدّت فيها إيدها بالخير وهي طفلة صغار، كانت هي السبب في تغير قدرها وقدر عيلة كاملة للأبد.

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى