
الباب اتفتح بالراحة، ودخل راجل طويل، عريض، لابس بدلة سوداء كاملة من غير كرافتة. ملامحه كانت حادة زي السيف، وعينيه دبلانة من السهر بس فيها شرر.
سعاد أتعرفت عليه فوراً.. ده المعلم «دومينيك» أو «البرنس» زي ما السوق كله بيكلمه. الراجل اللي كلمته سيف على المنطقة كلها، واللي الكل بيعمله ألف حساب.
دومينيك بصلها، وقرب خطوات موزونة لحد ما وقف عند رجلي السرير. بص لـ أمه الأول، وبعدين بص لسعاد بنظرة غريبة.. نظرة حد مش متعود يدي إمتنان لحد، بس المرة دي كان حاسس إنه مديون بحياة أغلى حاجة عنده.
«الدكاترة طلعوا الأربع رصاصات.. والخامسة عدت من الجنب بالستر.» دومينيك قالها بصوت واطي ومكتوم زي الرعد البعيد. «الطب الشرعي قال إنك لو ماكنتيش اترمتي عليها.. كان زماني بآخد عزا أمي النهاردة.»
سعاد بلعت ريقها: «ده واجب يا معلم.. أي حد مكان كانت هيعمل كده.»
دومينيك هز رأسه بنفي قاطع: «لا.. محدش بيترمي قدام الرصاص عشان حد مايعرفوش. الناس كلها بتجري وتستخبى يا سعاد.. أنتِ الوحيدة اللي وقفتِ.»
الحاجة كاترينا مسكت إيد سعاد الباردة وضميتها بين إيديها: «من النهاردة أنتِ بتني.. ومحل الحلويات بتاعك اللي اتدشمل في الضرب، وهيئتك، وعيلتك، كلهم برقبتي وبرقبة دومينيك.»
سعاد كانت فاكرة إن الموضوع خلص عند كده، إنها مجرد بنت غلبانة عملت موقف جدعنة وخلاص. بس ماكنتش تعرف إن الضرب ده ماكانش عشوائي، وإن اللي أجر العيال يضربوا نار، كان واحد من دراعات دومينيك اليمين.. حد من جوه الكار، فاكر إن بموت الست الكبيرة، الهيبة هتتكسر والمجال يفضاله.
بعد أسبوعين، لما سعاد بدأت تقف على حيلها، اتنقلت لقصر العيلة عشان تكمل علاجها. هناك، كانت الملاحظة شغلانتها القديمة في مخبزها.
سعاد كانت بتشوف وتسمع.
قعدة العيلة، حركة الحراس، النظرات اللي بتتبادل بين المعلمين الصغار لما دومينيك يدخل.
في يوم، كانت سعاد قاعدة في الجنينة بالليل وبتشرب شاي مع الحاجة كاترينا، ولمحت «عزت».. الراجل اللي دومينيك بيعتمد عليه في كل كبيرة وصغيرة.
عزت كان واقف ورا الشجر، بيتكلم في التليفون بصوت واطي وموتر، وبيقول: «البت دخلت القصر وبتشوف كل حاجة.. الترتيبة القديمة باظت، لازم نخلص الموضوع قبل ما المعلم يقلب في القديم!»
سعاد دمها اتجمد.
ما جرتش ولا صرخت.. اتعلمت إن الخوف ما بينجيش.
استنت لما عزت مشي، وقامت بالراحة، دخلت لمكتب دومينيك.
دومينيك كان قاعد ورا مكتبه الخشب الضخم، قدامه سجاير وملفات مفتوحة ووشه مشدود.
«معلم دومينيك..»
رفع عينه بتعب: «خير يا سعاد؟ محتاجة حاجة؟»
«عزت هو اللي ورا ضرب النار بتاع الكنيسة.»
دومينيك سكت. السجارة اتشنجت في إيده، وعينيه أتقلبت لليل كحل: «أنتِ بتقولي إيه؟ عزت ده دراعي اليمين بقاله عشر سنين!»
«عزت كان واقف في الجنينة حالا بيكلم حد.. وبيقول إن دخولي القصر بوّظ الترتيبة القديمة، ولازم يخلصوا القصة قبل ما أنت تفحّص.»
دومينيك قام وقف بطوله. الهيبة والشر اللي في عينيه خلت الأوضة تبرد في ثانية. ما سألهاش عن دليل.. كان عارف إن البنت اللي خدت خمس رصاصات عشان أمه، مش هتكذب عليه.
في نفس الليلة.. الاتفاقية اللي كانت معموله عشان يصفوا دومينيك اتكشفت.
عزت لاتلم ولا اتلحق.. والرجال اللي كانوا فاكرين القصر مخترق، اتفاجئوا إن المعلم كان مستنيهم على باب المزرعة القديمة، ومسح بيهم وبخيلهم الأرض.
بعدها بـ شهر..
المخبز الصغير بتاع سعاد اتفتح تاني، بس المرة دي بقى أكبر مصنع حلويات شرقية وغربية في القليوبية والقاهرة كلها.
وفي يوم الافتتاح، الشارع كله كان مقفول بعربيات سوداء فامية.
دومينيك كان واقف بنفسه على باب المصنع، حاطط إيده في جيبه، ويوسف ورجالته واقفين وراه زي الألف.
والحاجة كاترينا كانت قاعدة في صدر المكان، لابسة الدهب وبتوزع شربات على الناس وتقول: «ده محل سعاد النادي.. بنت الحاجة كاترينا، واللي يفكر يضايقها في أكل عيشها، يبقى بيقطع رقبتين!»
سعاد كانت واقفة بتمسح إيدها في المريلة الجديدة، وبصت للشارع وللناس اللي كانوا زمان بيتجاهلوها ويرموا عليها الكلمة.
البنت الغلبانة اللي كانت بتزوق التورتة ست ساعات في الشارع.. بقت المسمار الحامي في إمبراطورية العطار، والوحيدة اللي الكبار كلهم بيقفوا أول ما تدخل عليهم الأوضة.
#حكايات_شروق_خالدمرت سنتين على يوم افتتاح المصنع الكبير..
السوق كله اتغير، وسعاد النادي مابقيتش مجرد البنت اللي بتعمل كاساتا وتورت، بقت «حاجة سعاد».. اسم يزن دهب في كفر الشرفا ووسط البلد كلها.
المصنع بقى يورد لأكبر فنادق القاهرة، والتجار اللي كانوا زمان بيستقلو بيها وبشغلها، بقوا يقفوا طوابير تحت مكتبها عشان يخدوا منها بضاعة بالآجل.
بس اللي ما اتغيرش.. هي الوقفة اللي بينها وبين بيت العطار.
في يوم، كانت الساعة داخلة على واحدة بالليل. سعاد كانت قاعدة في مكتبها في المصنع، بتراجع فواتير الصنع مع المحاسب، لما باب المكتب اتفتح فجأة من غير خبط.
دخل دومينيك..
ماكانش لابسه بدلة الشغل ولا الهيبة المعتادة. كان لابس قميص أسود متشمّر، وشه مطفي، وفي عينيه قلق أول مرة سعاد تشوفه فيه من يوم محاولة اغتيال أمه.
سعاد شاورت للمحاسب يخرج وسحبت الباب وراه.
«خير يا معلم دومينيك؟ في حاجة حصلت للحاجة؟»
دومينيك قعد على الكرسي اللي قدام مكتبها، حط إيديه الاثنين على وشه وأخد نفس ثقيل:
«الحاجة كويسة يا سعاد.. المشكلة عندي أنا.»
سعاد سابت القلم من إيدها وبصلتله بتركيز:
«خير.. قولي فيه إيه؟»
«شحنة الخشب الكبيرة اللي جاية من ميناء إسكندرية.. الورق بتاعها اتضرب في الجمرك. فيه حد مسرّب معلومات الداخلية عن المراكب، والشرطة حاطة إيدها على البضاعة.. لو الشحنة دي راحت، السوق كله هيتهز، ومجلس الكبار هيطالبني بتعويض يكسر ضهري.»
سعاد فكرت ثواني.. مخها اللي كان زمان محصور في سعر كيلو السكر والدقيق، اتعلم في سنتين إزاي يقرأ اللعب في الكار ده.
«أنت شاكك في حد من رجالتك؟»
دومينيك هز رأسه بنفي: «الورق ده ما بيمسكوش غير تلاتة بس.. أنا، وهاني، والمحامي.»
سعاد سكتت، افتكرت حاجة كانت لمحتها الأسبوع اللي فات لما كانت في القصر بتزود أدوية الحاجة كاترينا.
«المحامي يا دومينيك..»
دومينيك رفع عينيه بحدة: «الأستاذ فاروق؟! ده شغال مع أبويا الله يرحمه بقاله تلاتين سنة!»
«فاروق ابنه اتخرج من بره ومزنوق في قضايا بورصة في دبي بمليارات.. الأسبوع اللي فات سمعته بيتكتم في التليفون في الجنينة الخلفية وكان بيقول (البضاعة هتتمسك في الجمرك أول ما تدبسوا فيها المعلم).. أنا ماكنتش فاهمة يقصد إيه ساعتها، بس دلوقتي الصورة كملت.»
دومينيك اتشنج في مكانه. العروق في رقبة نطت، وفي ثانية واحدة تحول الراجل الهادي لبركان على وشك الانفجار.
سعاد قامت وقفت وجابتله كوباية مية حطتها قدامه:
«اشرب الأول وتصرف بعقل.. الغشيم بيكسر حاجته بإيده يا دومينيك. لو نزلت عليه دلوقتي، هيحرق بقية الورق والبضاعة هتروح عليك.»
دومينيك بص لكوباية المية، وبعدين بص لسعاد.. النظرة اللي فيها اندهاش من البنت اللي خدت الرصاص مكان أمه، والنهاردة بتنقذ ملكه للمرة الثانية بمنتهى الثبات والهدوء.
«طب والعمل؟» سألها وكأنه بيسأل شريكه المالي.
«العمل بسيط.. فاروق فاكر إنك ما تعرفش. بكرة الصبح في اجتماع مجلس التجار، هتطلب منه يقدم طعن مباشر في الجمرك بنفسه كوكيل عنك.. وتخليه يوقع على التزام شخصي ببند جزائي. لو هو اللي سرب، هيترعب ويحاول يهرب البضاعة بطريقته الخاصة، وساعتها هتصيده متلبس هو واللي وراه من منافسينك.»


