
لم تكن ليلى لتستسلم بهذه السهولة لرفضه، فرغم رجفة يديها، وضعت كفيها على صدره بخفة ثابتة وقالت بنبرة لا تقل صلابة عن نبرته أنت لا تفهم يا حمزة… يوسف لا يلعب بقواعد السوق العادية، وخسارة مجموعة الألفي ستعني أن حلفاءك الآخرين سيتساقطون الواحد تلو الآخر مثل أحجار الدومينو، ولن تستطيع حمايتهم جميعاً وحدك.
نظر إليها حمزة مطولاً، ولمحت في عينيه ومضة إعجاب خفية بشجاعتها التي تتحدى غضبه، لكن وجهه ظل متمسكاً بجموده الحديدي.
وهل تظنينني وحدي؟ سأل بصوت خفيض هادئ، ثم الټفت نحو ماريسول التي كانت تقف بصمت تام تتابع الحوار. ماريسول… أبلغي البنك المركزي وشركات الوساطة الكبرى أن السوهاجي جروب جاهزة لشراء أي أسهم مطروحة في السوق المفتوحة لعائلة الألفي، وضاعفي السيولة المتاحة فوراً.
اتسعت عينا ماريسول قليلاً من حجم المخاطرة، لكنها هزت رأسها بثقة تامة وقالت فورا يا بيه. ثم استدارت وخرجت مغلقة الباب خلفها بحزم.
أعاد حمزة نظره إلى ليلى، واقترب منها خطوة أخرى حتى أصبحت محاصرة بين طاولته الكبيرة وصدره العريض، وهمس بجانب أذنها مباشرة يوسف أراد أن يختبر قوتي حين هاجم أعمالي، لكنه ارتكب خطأه
الأكبر حين ظن أنه يستطيع لمس أي شيء يخصني.
رفعت ليلى عينيها إليه، وقد تلاشت بقايا الخۏف من وجهها لتمتزج بريق عينيها ببريق التحدي والمشاعر التي تكتمها منذ أشهر وإن ربحت هذه المعركة يا حمزة… ماذا ستفعل بي؟
ابتسم حمزة ابتسامة جانبية خطړة، ورفع يده ليلامس ببطء خصلة من شعرها المنسدل على كتفها، ثم قال بصوت غارق في الثقة والتملك حين تنتهي هذه المعركة، لن أكتفي برؤيتكِ تجلسين على ذلك الكرسي أمام مكتبي… سأجعل القاهرة بأكملها تعلم لمن تفقد صوابها.
في تلك اللحظة، هبطت صاعقة أخرى على شاشة هاتف حمزة الخاص؛ رسالة نصية قصيرة من رقم مجهول، تحتوي على صورة واحدة التقطت قبل دقائق قليلة فقط.
صورة ليوسف الشريف وهو يقف أمام مدخل المبنى الرئيسي لشركات السوهاجي، ومكتوب تحتها عبارة قصيرة
أنا في الأسفل يا حمزة… لنتحدث كالرجال.
حدق حمزة في الشاشة لثوانٍ معدودة، ثم بدأت ملامحه تتخذ ذلك القناع الجليدي المرعب الذي يسبق العواصف. رمى الهاتف على المكتب، ورفع نظره إلى ليلى وقال بصوت هادئ ومخيف يبدو أن الضيف قد وصل أسرع مما توقعت… ابقي هنا، ولا تفتحي الباب لأحد.
وقبل أن تستطيع ليلى النطق بحرف واحد،
استدار حمزة بخطوات واسعة وواثقة، وفتح باب المكتب متوجهاً مباشرة نحو المصعد، نازلاً ليقابل يوسف الشريف وجهاً لوجه في معركة كسر العظام التي انتظرها طويلاً.
انزلق المصعد بخفة نحو الطابق الأرضي، ومع كل ثانية كانت تقترب فيها العدادات من الصفر، كان الهواء داخل المقصورة يزداد برودة وثقلاً، وكأن ضغط الحړب الكامنة قد تسرّب إلى جدران المعدن.
حين فتح باب المصعد، كان ردهة الاستقبال الكبرى لبرج السوهاجي تسودها هيبة صامتة ومفزعة. الموظفون وأفراد الأمن وقفوا على أطراف أصابعهم، متراجعين إلى الخلف وكأنهم يحاولون الابتعاد عن مسار عاصفة وشيكة. في منتصف الردهة الواسعة، المرصعة بالرخام الأسود اللامع، وقف يوسف الشريف. كان يرتدي بدلة إيطالية داكنة، ويعلو محياه ذلك الابتسام الطبيعي والمستفز، ممسكاً بعصا أنيقة من خشب الأبنوس، وكأنما جاء في جولة سياحية لا ليخوض حرب استئصال.
وعلى بعد خطوات قليلة منه، وقف حراس حمزة الشخصيون، أجسادهم مشدودة كالأوتار، وأيديهم قرب ستراتهم بانتظار إشارة واحدة من زعيمهم.
تقدم حمزة بخطوات ثابتة وواسعة، ولم يُظهر أي تعبير على وجهه سوى ذلك البرود القاټل الذي يجعل كل من يعرفه
يدرك أن المۏت
أقرب إليه من حبل الوريد. توقف على مسافة مترين فقط من يوسف، وعيناه الداكنتان تخترقان وجه منافسه بلا خوف ولا تردد.
لم أكن أتوقع أنك تحب زيارة الأماكن العامة بهذه الطريقة يا يوسف، قال حمزة بصوت هادئ ومستقر، ترددت أصداؤه بوضوح في أرجاء الردهة الصامتة، عادةً، الجبناء يفضلون الاختباء خلف الشاشات وتقارير البورصة.
لم تنمحي ابتسامة يوسف، بل اتسعت قليلاً وهو يتقدم خطوة للأمام، غير مبالٍ بنظرات الحراس أو بهيبة المكان الجبن هو أن تسرق ما كان لي يوماً يا حمزة، وأن تختبئ خلف ألقابك وسلطتك لتأخذ امرأة فرت مني… ليلى ليست موظفة عادية لديك، وهي تعلم ذلك جيداً.
برقت عينا حمزة بوميض مرعب، وضاق نطاق صوته ليصبح أخفض وأكثر حدة امرأة؟ ابتسم حمزة ابتسامة جانبية ساخرة وقاټلة، ثم أكمل أنت لست سوى ظل لرجل تخلت عنه بكامل إرادتها. هي لم تهرب منك لتأتي إلي، بل هربت من چحيمك… واليوم، أنت تقف في عريني لتطالب بما ليس لك؟
اشتعلت نظرات يوسف غضباً، وتراجع قناع البرود الذي ارتداره قليلاً ليظهر تحته الټهديد الحقيقي ستندم على هذه الثقة الزائفة قريباً جداً يا حمزة. سأجعل شركاتك تتهاوي سهمًا تلو
سهم، ولن تقتصر خسارتك على المال، بل سأستعيد كل ما يخصني، وفي مقدمتهم ليلى.
قبل أن يكمل يوسف جملته، تقدم حمزة نحوه بسرعة البرق، وبحركة خاطفة ومفاجئة، أمسك بتلابيب بفلته بقوة عڼيفة كادت ترفعه عن الأرض، وقرب وجهه منه حتى كاد أنفاسهما تلامس بعضها، وهمس بصوت يشبه فحيح الأفاعي
اسمعني جيداً ولاتنسى هذه اللحظة طوال حياتك… إن تجرأت واقتربت من بوابات هذا المبنى مرة أخرى، أو حتى فكرت في النظرة لملليمتير واحد مما يخصني، فلن أكتفي بتحطيم أسهمك في البورصة… سأمحو اسمك من تاريخ القاهرة للأبد.
أفلت حمزة تلابيب بدلته پعنف وكأنما يزيل عنه شيئاً قذراً، ثم عدل سترته ببرود تام وأضاف بصوت عالٍ ليسمعه الجميع أخرجوه من هنا، ولا تدعوا وجهه يتدنس برؤية هذا المكان مرة أخرى.
في الأعلى، خلف الأبواب المغلقة، كانت ليلى تقف أمام نافذة المكتب الزجاجية الضخمة، تراقب ما يحدث في الأسفل بقلب يكاد يتوقف من شدة الخفقان، وعيناها مسمرتان على الرجل الذي وقف يحارب العالم بأكمله من أجلها، مدركةً أن الساعات القادمة ستغير مجرى حياتهما للأبد.
حكايات_شروق_خالدعاد حمزة إلى الطابق الأخير بخطوات واسعة يملؤها
الڠضب المكتوم، وما إن فتح باب المكتب حتى وجد ليلى تقف في منتصف الغرفة، عيناها معلقتان به بقلق بالغ، وكأنها كانت تحصي دقات قلبها انتظاراً لعودته.
أغلق الباب خلفه بقوة هادئة، وتوجه نحوها مباشرة دون أن ينطق بكلمة.
اقترب منها حتى أصبحت عيناها الملؤهما التوتر تقابلان عينيه الحادتين. رفعت يدها المرتجفة قليلاً لتلمس صدره وقالت بصوت خاڤت هل… هل حدث شيء؟ كيف تركته يرحل بمثل هذه البساطة؟
أمسك حمزة بمعصمها برفق وثبات، ومنع يدها من الحركة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة ومريرة تناقض برود ملامحه لم أتركه يرحل يا ليلى… أنا فقط أعطيته فرصة للأمل الكاذب، ليرى كيف ستتداوي إمبراطوريته التي تباهى بها، سهمًا بعد سهم، خلال الساعات القادمة.
في تلك اللحظة بالضبط، وكأن الأقدار استجابت لحديثه، انبعث رنين هاتف مكتبه الداخلي بصوت حاد متواصل.
نظر حمزة إلى الهاتف مطولاً، ثم الټفت نحو الطاولة والتقط السماعة ببرود تام، ووضعها على أذنه دون أن ينطق بحرف واحد.
جاء صوت رئيس الشؤون المالية للشركة من الطرف الآخر، وكان منهاراً ومتعثراً بالكلمات
يا سيادة البيه… کاړثة! لقد حدث هجوم إلكتروني ومالي متزامن،
و… وأسهم عائلة


