
داليا فتحت بقها من الصدمة، وقربت منه خطوة وهي مش مصدقة عقلها: — مأذون مين؟! إنت اتجننت بجد ولا هزرنا وخلصنا الهزار؟ أنا وافقت أصلح الطلمبة عشان جدتي والبيت، مش عشان أبيع نفسي لزعيم عصابة! سيف ضحك ضحكة خفيفة ورقيقة، صوته كان دافي وغريب، وبصلها بثقة تخلي الحجر ينطق:
— زعيم عصابة؟ شكلك شفتي مسلسلات كتير يا داليا.. أنا راجل أعمال بيحب ياخد اللي بيعجبه، وإنتِ عجبْتيني من اللحظة اللي دخلتي فيها الحفل، حافية وبتقولي لي إن عيوني حزينة.. تفتكري واحد زيك ممكن يسيب لؤمة بالجمال والشقاوة دي تطلع من إيده بالساهل؟
— بس أنا مكنش في وعيي! — داليا دافعت عن نفسها وهي بتشوح بإيديها بعصبية.
— بيعمل اللي جواه بجد، ومشكلتك إنك قلتي اللي في قلبك قدام تلاتمائة شاهد، والفيديو منور على السوشيال ميديا أصلاً، يعني لو اتطلقنا دلوقتي الناس هتقول سيف الهواري اتسحب منه البساط واترَمى في الشارع — قالها وهو بيقرب خطوة كمان لحد ما بقت مجبرة ترفع راسها عشان تبصله.
داليا حست بنسيم هوا المزرعة البارد بيخبط في وشها اللي احمرّ من الكسوف والعصبية، وحست إن ريحة عطره بتلخبط أفكارها:
— وأنا مالي ومال كلام الناس؟ أنا عايزة أرجع لجدتي والبنسيون!
— جدتك دلوقتي في أمان، والدين اتقضى، وعملتها مدفوعة، والبنسيون بقى ملكك لوحدك من غير حجز ولا همّ.. يعني تقدري ترجعي لجدتك ومعاكي الصكوك بتاعتها كلها، بس بشرط.. ترجعي بصفتك مراتي بجد، أو تقعدي هنا معايا في المزرعة لحد ما نتفق على الشروط.
داليا صكت على سنانها وقالت بغيظ:
— وشروطك إيه يا سي سيف الباشا؟
سيف مد إيده ولمس خصلة من شعرها اللي هربت من التوكّة بحركة هادية ورقيقة فاجئت داليا وقفت لها قلبها مكانها:
— شروطي بسيطة.. تقعدي معايا أسبوع واحد هنا، تجربي الحياة اللي من غير ديون ولا قلق، ولو بعد الأسبوع ده صممتي على الطلاق.. هطلقك بنفسي وأمضيكِ على ورقة طلاق، ومحدش هيقدر يفتح بقه بكلمة معاكي.
داليا بصت لعينه اللي كانت بلمح فيها تحدي وكمان.. اهتمام غريب مكنتش متوقعة تشوفه عند راجل بحجمه. قعدت تفكر ثواني.. البنسيون نضف، وجدتها هتعمل العملية، والتهديد زال.. يعني معاها كارت الأمان.
رفعت دقنها وقالت بصلابة:
— اتفقنا.. أسبوع واحد يا سيف بيه، ولا دقيقة زيادة، ولو ظهر إنك بتلاعبني، اعتبرني كسرت الطلمبة دي تاني على دماغك!
سيف ضحك بصوت عالي ومال راسه بابتسامة خطيرة:
— اتفقنا يا مهندسة.. نوري بيتك الجديد.
الدنيا كانت بليل لما دخلوا القصر الواسع. من جوه، المكان كان تحفة فنية تجمع بين الشياكة العصرية والدفء الريفي. الحيطان متزينّة بلوحات أصلية، والإضاءة الهادية عاطية للمكان راحة غريبة ماكنش متوقعاها داليا وهي ماشية جنب سيف.
دخلوا الصالون، وجه خدام بهيئة منظمة وقدم لهم عصير فريش ومياه. سيف شاور لداليا تقعد على الكنبة الواسعة، وقعد قصادها على كرسي مفرد وهو بيفك أزرار قميصه اللي فوق براحة.
— ارتاحي يا داليا، اعتبري البيت بيتك.. الموظفين هنا هيجهزوا لك أريَح أوضة في الجناح الشرقي عشان تنامي وترتاحي من تعب السفر وشغل الطلمبة.
داليا شربت شوية مياه، وحست إن التوتر بدأ يقل شوية، بس لسه لسانها شغال:
— شكراً لذوقك يا سي سيف، بس متأكد إن الأوضة دي مش محاطة بكاميرات تجسس ولا حراس لابسين أسود جوه الدوالاب؟
سيف ضحك بخفة ورمى موبايله على الطرابيزة:
— للدرجادي شايفة إني شخص مرعب؟ أنا يا داليا رجل أعمال بيهتم بشغله وبس، وحظي الحلو إن المدام بتاعتي طلعت مهندسة فنانة بتصلح الطلمبات وكمان جريئة لدرجة أنها تطلبني للجواز قدام بلد بحالها.
داليا وشها احمرّ جداً لدرجة إنها كست وشها بإيديها وقالت بصوت مكسوف:
— يا ربي.. هو إحنا هنقعد نفتكر الفضيحة دي كتير؟ ما خلاص!
— واللي قلتيها بيبين حقيقة جواكي — قالها سيف بنبرة أعمق وأقرب للجد، وعيونه ثبتت في عيونها بنظرة خلت قلبها يدق باهتزازة غريبة.
قامت داليا بسرعة من مكانها وهي بتهرب من نظراته:
— بقول إيه، أنا هروح أنام عشان عندي كذا فكرة في دماغي عايزة أصلحها بكره في المزرعة، تصبح على خير.
مشيت بخطوات سريعة قبل ما ترد عليه، ووراها الخدم اللي دلوها على أوضتها. كانت أوضة كبيرة جداً فيها فرش فخم وواجهة زجاجية تبص على الحديقة والبحيرة الصناعية.
تاني يوم الصبح، صحت داليا بدري على صوت العصافير. لبست تيشيرت قطني بسيط وبنطلون رياضي، ونزلت تتمشى في جنينة القصر. الهواء كان نقي، والمزرعة حواليها كانت منظمة بشكل يفتح النفس. وهي ماشية، لاحظت نظام الري القديم اللي مربوط بالطلمبة اللي صلحتها إمبارح، ولاحظت إن فيه جزء تاني في الناحية التانية محتاج تعديل بسيط في الضغط عشان المية توصل لكل الأشجار بانتظام.
وهي مندمجة ومركبة ماسورة رفيعة بمفك صغير كانت حبساها في جيبها، سمعت صوت وراها بيقول بصوت هادي:
— من امتى العرايس بينزلوا يشتغلوا سباكة في صباحية مباراتهم؟
داليا التفتت لقت سيف واقف ولابس لبس رياضي خفيف (تيشيرت أسود وبنطلون ترنينغ)، وشعره جاي على جبينه بشكل خلاه يبدو أصغر وأكثر وسامة بكتير.
رفعت حاجبها وردت ببرود مصطنع:
— العرايس المحترمات لأ.. بس المهندسات اللي متجوزين عشان يصلحوا الخراب اللي في مزرعتكم، بيعملوا أكتر من كده!



