منوعات

حكايات شروق خالد ج3

سميحة كانت واقفة مكانها مش قادرة تنطق.— بنت زينب؟الكلمة فضلت تلف في دماغها. رعد قرب منها.— سميحة… بصي لي. هي رجعت خطوة.— متقربش. رعد وقف.— أنا مش هأذيكي.— أنا مش فاهمة حاجة. فاطمة قربت منها وقالت:
— زينب كانت بتخاف عليكِ من جابر.

يوم ما ولدتِ، كانت عارفة إنه لو عرف إن عندها بنت تانية، هيستخدمك عشان يضغط عليها. سميحة هزت راسها.— بس أنا طول عمري عارفة إن أمي وأبويا ناس تانيين.— كانوا بيحبوكي.— وكانوا يعرفوا؟فاطمة دموعها نزلت.— أبوكي بالتربية كان يعرف جزء من الحقيقة.

سميحة سكتت. رعد قال:
— وليه زينب ما رجعتش ليكي؟فاطمة بصت له.— لأنها كانت فاكرة إنها بتحميها. من بره، صوت جابر ارتفع:
— كفاية كلام!رعد مسك سلاحه.— إنت مالكش حق تأمرنا. جابر رد:
— لو عايزين تعرفوا زينب قالت إيه قبل موتها، انزلوا القبو.

سميحة قالت:
— أنا هنزل. رعد بص لها.— لأ.— دي أمي.— وممكن يكون فخ. سميحة ردت:
— حياتي كلها اتبنت على كذبة. مش هفضل مستخبية ورا باب. رعد سكت. حور مسكت إيدها.— إحنا معاكي. حنين قالت:
— إحنا كمان عايزين نعرف الحقيقة. رعد بص للبنات. وبعدين قال:
— هننزل كلنا. نزلوا القبو.

جابر كان واقف قدام باب حديد قديم. فوزي كان مربوط عند الحرس. جابر قال:
— المفتاح. رعد بص له.— فين؟جابر أشار للسلسلة.— معاه. رعد حط المفتاح في القفل. لكن قبل ما يلفه، سميحة مسكت إيده.— استنى. بص لها.— ليه؟— زينب كانت بتحذرنا من جابر.

لو هي حطت حاجة هنا، أكيد كانت عاملة حساب إنها ممكن تقع في إيده. رعد فهم.— عندك حق. سميحة قربت من الباب. لاحظت إن فيه فتحة صغيرة. حطت إيدها. ضغطت على جزء من الحديد. الباب فتح لوحده. جابر اتصدم.— إزاي؟سميحة بصت له.— يمكن أمي كانت عارفة إني هاجي. دخلوا.

الغرفة كانت صغيرة. وفيها كرسي قديم. وترابيزة. وصندوق خشب. وفوق الصندوق صورة. سميحة قربت. كانت صورة لزينب وهي شايلة طفلة صغيرة. وعلى ظهر الصورة مكتوب:
“لبنتي سميحة… لو قابلتي إخواتك يومًا، قولي لهم إني كنت بحبكم كلكم.”
حور قربت من الصورة.— إحنا أخوات؟فاطمة هزت راسها.— أيوه. حنين حضنت سميحة.

— يعني إنتِ أختنا؟سميحة بدأت تبكي.— مش عارفة. حور قالت:
— أنا عارفة. وضمتها. رعد كان واقف بعيد. سميحة بصت له.— وإنت؟رعد قرب.— أنا كنت أعرف إن زينب كان عندها بنت قبلنا. سميحة اتصدمت.— كنت تعرف؟— أيوه.— وعرفت إنها أنا؟رعد هز راسه.— لأ.— ليه؟

— لأن زينب كانت مخبية اسمك ومكانك عن الكل. سميحة بصوت مكسور:
— حتى عنك؟— حتى عني. جابر ضحك.— كفاية كدب. رعد لف له.— إنت عايز إيه؟جابر قال:
— الصندوق. رعد وقف قدامه.— مش هتاخده. جابر رفع سلاحه.— هاته. فوزي فجأة قال:

— جابر… الصندوق مش فيه اللي إنت فاكره. جابر بص له.— اسكت. فوزي ضحك.— زينب كانت أذكى منك. جابر ضربه. فوزي وقع. سميحة فتحت الصندوق. جواه مجموعة أوراق. صور. وتسجيلات. وفي آخر الصندوق، ظرف أبيض مكتوب عليه:
“لسميحة فقط.”
إيد سميحة بدأت ترتعش. فتحت الظرف. وكان جواه جواب بخط زينب.

بدأت تقرأ:
“يا سميحة…
لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى قدرتي توصلي للحقيقة. أنا آسفة إني سبتك. بس والله ما كان بإيدي. كنت خايفة عليكِ. وخايفة على حور وحنين. وخايفة من جابر. أبو البنات حاول يحمينا، لكنه غلط. وأنا عارفة إنك هتزعلي منه.

لكن قبل ما تحكمي عليه، اعرفي إنه قضى أربع سنين بيحاول يحمي بناتي من نفس الناس اللي كانوا سبب في موتي.”
سميحة رفعت عينيها لرعد. رعد كان بيبكي. منصور قال:
— كملوا. سميحة رجعت تقرأ:
“يا سميحة…
لو قابلتي أبو البنات، متخليش غضبك يمنعك من سماع الحقيقة.

هو مش أبوكِ. لكن لو احتجتي يوم حد يقف جنبك…
هيقف. لأنه وعدني.”
رعد غمض عينيه. سميحة قلبت الورقة. وكان فيه سطر أخير:
“وأهم حاجة… جابر مش الشخص الوحيد اللي خاننا.”
سميحة شهقت. رعد قال:
— مين كمان؟وفجأة…
الأنوار انطفت. مرة تانية. صوت خطوات سريعة اتسمع في الممر.

جابر اختفى. الحرس صرخوا:
— يا باشا!رعد خرج يجري. سميحة مسكت البنات. ومن آخر القبو…
ظهر ظل راجل. وقال:
— متأخرين أوي. رعد رفع سلاحه.— مين؟الراجل خرج من الضلمة. سميحة أول ما شافته، وشها اتغير. لأنها عرفته. كان الراجل اللي كانت فاكرة إنه والدها الحقيقي…
واقف قدامها.

وقال:
— أنا اللي زينب طلبت مني أخبيكي. سميحة همست:
— بابا؟الراجل ابتسم بحزن.— أيوه يا بنتي. وبعدين بص لرعد.— لكن أنا كمان عندي سر…
سر لو عرفته سميحة…
هتعرف إن موت زينب ما كانش النهاية. كان البداية.

حكايات شروق خالدالراجل وقف قدام سميحة وهو ماسك الظرف القديم بإيد بتترعش، وعينيه كانت مليانة خوف. رعد قرب منه خطوة وقال بصوت تقيل:
“إنت اسمك إيه؟”
الراجل بلع ريقه وقال:
“عبد الرحيم.”
سميحة بصتله بصدمة.”عبد الرحيم؟”
هز راسه.

“أيوه يا بنتي… أنا عبد الرحيم اللي أمك سلمتك ليه وإنتِ لسه طفلة.”
سميحة قربت منه، وصوتها خرج مخنوق:
“أمي كانت عارفة إني موجودة؟”
“كانت عارفة كل حاجة.”
“طب ليه سابتني؟”
عبد الرحيم بص في الأرض.”عشان كانت عايزة تنقذك.”
سميحة انفجرت فيه:

“تنقذني من إيه؟! أنا عشت عمري كله فاكرة إن أهلي ماتوا وسابوني! فاكرة إني بنت ناس غلابة ملهمش حد! ليه مخبيتوش عني الحقيقة؟!”
عبد الرحيم رفع عينه ليها وقال:
“لأن لو جابر عرف إنك عايشة… كان هيقتلك.”
سميحة سكتت.

حور وحنين كانوا واقفين جنب بعض، ماسكين إيد بعض، وباصين للراجل بخوف. رعد قال:
“اتكلم من الأول.”
عبد الرحيم أخد نفس طويل.”قبل موت زينب بشهور، كانت اكتشفت إن جابر مش بس بيسرق فلوس العيلة.”
رعد عقد حواجبه.”كان بيعمل إيه؟

”
“كان بيبيع معلومات عن شغل العيلة لناس بره.”
فوزي شهق:
“يا نهار أسود…”
عبد الرحيم كمل:
“وزينب عرفت. ولما حاولت تواجهه، هددها ببناتها.”
سميحة قالت:
“بناتها؟”
عبد الرحيم بص لها.”إنتِ وحور وحنين.”
السكوت نزل على المكان كأنه جبل. رعد بص للتلات بنات، وبعدين قال:

“يعني جابر كان عارف بوجود سميحة؟”
عبد الرحيم هز راسه.”كان شاكك… بس ماكانش متأكد.”
سميحة سألت:
“وأمي عملت إيه؟”
“طلبت مني آخدك بعيد. وقالتلي لو حصل لها حاجة، ما ترجعكيش هنا مهما حصل.”
سميحة دموعها نزلت.”بس هي كانت بتحبني؟

عبد الرحيم قرب منها وقال:
“كانت بتحبك أكتر مما تتخيلي.”
وأخرج من جيبه صورة قديمة. سميحة أخدتها. كانت صورة زينب وهي شايلة طفلة صغيرة، والطفلة بتضحك. وفي ضهر الصورة كان مكتوب بخط إيد زينب:
“سميحة… أول فرحة دخلت قلبي.”
سميحة ضمت الصورة لصدرها وانهارت في البكاء.

حور قربت منها.”ماما كانت بتحبك.”
سميحة بصتلها وسط دموعها.”وإنتِ عرفتي منين؟”
حور ردت:
“عشان كانت بتتكلم عنك في التسجيل.”
حنين مسكت إيد سميحة.”إنتِ أختنا.”
سميحة حضنتهم الاتنين، ولأول مرة في حياتها حسّت إنها مش لوحدها. لكن رعد ماكانش بيتكلم.

كان واقف بعيد، وعينيه على عبد الرحيم. قال بهدوء:
“في حاجة لسه مخبيها.”
عبد الرحيم اتوتر.”أنا قلت كل اللي أعرفه.”
رعد قرب منه.”لأ.”
وسكت لحظة.”زينب قالتلي في آخر تسجيل إن جابر مش الشخص الوحيد اللي خانهم.”
عبد الرحيم وشه اتغير. رعد لاحظ.”إنت عارف مين التاني.

”
عبد الرحيم سكت. رعد صوته بقى أقسى:
“اتكلم.”
عبد الرحيم قفل عينيه وقال:
“المحامي.”
فوزي قال بسرعة:
“محامي العيلة؟”
“أيوه.”
رعد سأل:
“شاكر؟”
عبد الرحيم هز راسه.”شاكر كان بيشتغل مع جابر من سنين.”
رعد ضرب بإيده على الترابيزة.”مستحيل.”
عبد الرحيم قال:
“هو اللي كان بيزوّر العقود.”
“أي عقود؟

”
“عقود أملاك زينب… وحسابات الشركة… وحتى الورق اللي اتقال فيه إن زينب ماتت من الحادث.”
سميحة بصت له بصدمة.”يعني إيه؟”
عبد الرحيم رد:
“يعني التقرير اللي اتكتب عن الحادث… كان مزور.”
رعد اتجمد مكانه.”إنت بتقول إيه؟”
“بقول إن جثة زينب اتدفنت باسمها.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى