
رئيس العصابة الكبير، لما دخل بيته بدري عن ميعاده، كان فاكر إن الشغالة الجديدة ملهاش غير في المسح والتنظيف. لحد ما دخل ولقاها قاعدة جنب أمه اللي بتموت، وبتعيط وهي بتشيلها باقي شعرها بالماكينة بكل رفق.
وفجأة أمه بصت في عينه وكشفتله السبب الحقيقي اللي جاب فاطمة بيتهم، وفي لحظة واحدة، كل النفوذ والفلوس اللي كان فاكر إنهم حاميينه ملهمش أي قيمة.
رجعت البيت يوم الأربع بدري عن ميعادي، وكنت متوقع ألاقي هدوء وسكون.
بس بدال الهدوء، سمعت صوت ضحك أمي.
الصوت لوحده وُقفني في مكاني.
من تمان شهور، الحاجة فاطمة جابولها خبر إن عندها السرطان في المرحلة الأخيرة. ومن ساعتها وأنا مش مأثر؛ جيبتلها أكبر دكاترة، وممرضات خصوصي، واستشاريين تغذية، ومتابعة على مدار الساعة.
أي حاجة كانت تحتاجها، كنت بدفع ثمنها في ساعتها.
كنت فاكر إن ده معناه إني ابن بار وبقوم بالواجب وزيادة.
لحد ما وصلت لباب أوضتها.
من فتحة الباب الموارب، شفت فاطمة، البنت اللي شغالة عندنا في البيت، قاعدة على ركبتها جنب كرسي أمي المتحرك.
فاطمة كانت بتعيط.
وفي إيدها ماكينة حلاقة.
شعر أمي الأبيض كان مالك الفوطة اللي ملفوفة حوالين كتافها.
همست فاطمة وهي بتمسح دموعها: “خلاص يا حاجة، قربت أخلص اهو.”
أمي مسكت إيدها وجزت على سنانها بابتسامة: “ما تتكلميش معايا كأني عيلة صغيرة.”
ضحكت فاطمة من وسط دموعها: “ما أنتِ بصراحة متعبة أوي يا حاجة.”
وأمي ضحكت.
مش الضحكة الوش اللي بتبتسمه للدكاترة عشان تطمنهم.
ضحكة حقيقية من قلبها.
مشيت بالراحة ومن غير ما أعمل صوت.
تاني يوم الصبح، طلبت فاطمة في مكتبي.
“أنتِ متأجرة هنا عشان تنظفي وتخلي بالك من البيت.”
ردت بصوت وطي: “أيوة يا بيه.”
“أومال إيه اللي بيخليكِ تقعدي مع أمي وتهتمي بيها بالشكل ده؟”
ترددت شوية قبل ما ترد: “عشان كانت خايفة.”
بصيتلها باستغراب: “ما هي عندها ممرضات شغالين بتمنهم!”
ردت فاطمة: “الممرضات ب يقيسوا الضغط وبيدوا الدوا في ميعاده يا بيه… ده غير إنك تقعد جنب حد وهو حاسس إن أيامه معدودة.”
الكلام ضايقني وعصبني، عشان كنت عارف إن عندها حق.
فاطمة بدأت تحكيلي عن الليالي اللي أمي مابتنامش فيها من الوجع.
عن الشعر اللي كانت بتلاقيه كل يوم على المخدة.
عن الشاي بالنعناع اللي كانت بتعملهولها لما نفسك تهف عليها وتتعب من الكيماوي.
حاجات بتحصل تحت سقف بيتي، وفي وسطي، وأنا ماعرفش عنها أي حاجة.
وفجأة الباب اتفتح.
أمي دخلت بالكرسي المتحرك.
شاورت على فاطمة وقالت: “البنت دي أجدع منك ومن كل اللي في البيت، عاملتني كأني أمها بجد.”
صدري اتخنق وقلت: “يا أمي، أنا جيبتلك أحسن دكاترة وأغلى رعاية ممكن الفلوس تجيبها!”
وشها اتغير وقالت بصرامة: “بالظبط يا يحيى… أنت دفعت فلوس.”
سكت وماعرفتش أرد.
كملت وهي بتبصلي: “فاطمة إدتك من وقتها وعمرها.”
بقيت واقف مش عارف أقول إيه.
قامت أمي مسكت إيد فاطمة وقالتلي: “لو مشيتها من البيت، أنا همشي معاها.”
رديت بسرعة: “محدش هيمشي يا أمي.”
فتكرت إن الموضوع خلص لحد هنا.
بس ماخلصش.
أمي فضلت تبصلي كام ثانية وهي ساكتة، وبعدين قالت بصوت واطي:
“في حاجة لازم تعرفها عن فاطمة يا يحيى.”
وش فاطمة جاب ألوان، واصفرت وقالت بلهفة: “يا حاجة عشان خاطر ربنا… بلاش.”
همست أمي: “لا، لازم يعرف… كان المفروض يعرف من سنين طويلة.”
قمت وقفت بالراحة وقلت: “من سنين طويلة؟ إيه هو؟”
أمي بصلت في عيني على طول، وبدأت تحكيلي السبب الحقيقي اللي جاب فاطمة بيتنا وعرّفها علينا.
ولأول مرة في حياتي، اكتشفت إن في سر مدفون جواه عيلتنا، سر مافيش أي نفوذ ولا فلوس في الدنيا كانت تقدر تجهزني عشان أسمعه.
#حكايات_شروق_خالدوقفت مشدود في مكاني، النظرة اللي في عين أمي كانت يرعّب أكتر من أي تهديد واجهته في شغلي. بصيت لفاطمة، كانت واقفة بتترعش وإيدها المربوكة ماسكة في طرف طرحتها، دموعها نازلة من غير صوت.
أمي اتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتطلع معها هموم سنين، وقالت: “فاطمة مش شغالة يا يحيى… فاطمة تبقى بنت عمك توفيق.”
الاسم نزل عليا زي الصاعقة. عمي توفيق… الراجل اللي اختفى من أبتدايات شغلي، الراجل اللي أساطير العيلة كانت بتقول إنه خاننا وهرب بفلوس الشغل زمان.
كملت أمي وصوتها بيرجف من التعب: “أبوك الله يرحمه وعمك ما اختلفوش على فلوس. أبوك هو اللي ظلم عمك ورمى عليه تهمة السرقة عشان يغطي على خسرته هو، وطرد عمك وطرده بره البلد كأن مالوش وجود. عمك عاش بقية عمره في الفقر والمرض، لحد ما مات من سنتين وهو بيحاول يثبت برائته.”
كنت واقف مش قادر أتحرك، كلامها بيهدم كل ثوابت حياتي. أنا بنيت إمبراطوريتي وشغلي كله على الفكرة دي… فكرة إننا كنا ضحايا وإن عمي هو الخاين.
بصيت لفاطمة، وقالت أمي: “فاطمة ما دخلت بيت السرايا هنا عشان تسرقك ولا تنتقم منك يا يحيى. هي دخلت تدور على ورقة واحدة… دفتر مذكرات أبوك القديم اللي فيه الاعتراف الكامل بخطه، عشان تغسل اسم أبهَا الميت قدام الناس.”
فاطمة رفعت عينها المليانة دموع وقالت بصوت مكسور: “أنا ماكنتش عايزة فلوسك يا يحيى بيه، ولا عايزة ورث. أنا بس كنت عايزة أبويا يرتاح في تربته، والناس تعرف إن توفيق العطار عاش ومات شريف. ولما دخلت البيت وشفت الحاجة مريضة، ماقدرتش أسيبها… ماقدرتش أقسى عليها حتى وهي بنت الراجل اللي دمر حياة أبويا.”
في اللحظة دي، حسيت إن كل الحراسة والرجال والفلوس والنفوذ اللي عندي مالهمش أي قيمة. البنت اللي كنت شايفها مجرد شغالة بتمسح وتكنس، كانت شايلة وجع أمة فوق كتافها، وجاية تاخد حقها بأدب وبأصل، ورغم كده عاطفتها غلبتها ورحمت أمي في أضعف أوقاتها.
طلعت مفتاح الخزنة من جيبي، وحطيته قدامها على المكتب.
قلت بصوت مكتوم: “الدفتر في الخزنة جوه… خديه يا فاطمة. والبيت ده بيتك من النهاردة، مش شغالة فيه… أنتِ صاحبة حق.”
#حكايات_شروق_خالد




