روايات وقصص

جوزي كذب عليا 11 سنة حكايات شروق خالد

جوزي باسني وهو بيودعني وقال إنه مسافر القاهرة لمدة أسبوع. لكن بعد ساعتين بس، رحلتي أنا اتلغت… ولقيته قاعد في صالة المطار مع ست تانية، وطفل عنده ست سنين بيناديه: «يا بابا»، وأوراق عليها إمضتي. في اللحظة دي افتكرت إني اكتشفت خيانته… لكن الحقيقة اللي اكتشفتها بعد كده كانت أخطر بكتير.

 

والأغرب من كل ده؟

إني عرفت مين الشخص اللي كان السبب إنه يدخل حياتي من الأساس من 11 سنة.

جوزي باسني قبل ما يخرج من البيت الساعة ستة وعشرة دقايق صباح يوم الاتنين، وقال لي إنه مسافر القاهرة وهيقضي هناك الأسبوع كله.

— حاولي ما تشتاقيش لي أوي يا ندى.

قالها آدم بابتسامته الهادية اللي من أول ما عرفته كانت بتخليني أحس إن الدنيا كلها أمان.

ابتسمت له وأنا بهزر:

— بس افتكر إن عندك مرات مستنياك هنا يا أستاذ آدم.

ضحك، وقرب مني وباس جبيني بحنان.

— أنسى الدنيا كلها ولا أنساكي.

كان ماسك شنطة سفره، وبدلته متعلقة على كتفه، وكل حاجة فيه كانت طبيعية جدًا.

طبيعية لدرجة إني ماخدتش بالي إن دي يمكن تكون آخر مرة أبص له فيها بنفس العين.

فتحت له الباب، ومشيت وراه لحد العربية.

ركب، ولوح لي بإيده، وبعدها اتحرك بالعربية واختفى في أول الشارع.

دخلت البيت وأنا بفكر في رحلتي أنا كمان.

كنت مسافرة الغردقة علشان أحضر مؤتمر خيري تابع لشركة طيران، وموعد طيارتي كان بعد ساعات قليلة.

جهزت شنطتي، ولبست، واتجهت لمطار القاهرة الدولي.

لكن أول ما وصلت…

الدنيا اتقلبت.

سوء الأحوال الجوية تسبب في إلغاء وتأجيل رحلات كتير.

ورحلتي كانت واحدة منهم.

وقفت قدام شاشة المواعيد وأنا حاسة بالإحباط.

كان قدامي اختيارين…

يا إما أرجع البيت وأضيع اليوم كله.

يا إما أقعد كام ساعة مستنية يمكن ألاقي رحلة بديلة.

وبما إني كنت تعبانة من المشوار ومش قادرة أرجع وسط زحمة القاهرة، قررت أدخل الصالة الخاصة بالمطار وأقعد هناك شوية.

قرار بسيط جدًا.

قرار عادي.

لكنه كان القرار اللي هيغير حياتي كلها.

أول ما دخلت الصالة…

شفت آدم.

جوزي.

وقفت مكاني.

اتجمدت.

آدم كان قاعد قريب من الشبابيك.

أول فكرة جت في دماغي إنه يمكن رحلته اتأخرت.

لكن بعد ثواني…

لاحظت إنه ماكانش لوحده.

قدامه كانت قاعدة واحدة ست جميلة، شعرها بني غامق ولبسها شيك جدًا.

وجنبها كان فيه طفل صغير، شكله حوالي ست سنين، قاعد بهدوء بيلون في كراسة.

فضلت واقفة ورا عمود بعيد، مش قادرة أفهم.

إيه اللي بيعمله آدم هنا؟

هو مش قال إنه مسافر القاهرة؟

طب ليه موجود في نفس المطار اللي أنا فيه؟

والست دي مين؟

والطفل ده مين؟

حاولت أهدّي نفسي.

يمكن يكونوا ناس قابلهم صدفة.

يمكن يعرفهم من زمان.

يمكن فيه تفسير منطقي.

لكن كل التفسيرات دي ماتت في لحظة واحدة.

الطفل رفع عينيه من الكراسة، وبص لآدم بابتسامة بريئة.

وبعدين قال:

— يا بابا… هنجيب فطار قبل ما نسافر؟

حسيت إن الأرض اختفت من تحت رجلي.

«يا بابا».

آدم ضحك ومد إيده ربت على شعر الطفل.

— طبعًا يا حبيبي… اختار اللي نفسك فيه.

قلبي بدأ يدق بعنف.

أنا وآدم متجوزين بقالنا 11 سنة.

11 سنة كاملة.

ماخلفناش أطفال.

وآدم…

على حد علمي…

ماكانش عنده أي أولاد قبل ما يعرفني.

لكن الطفل الصغير كان بيناديه:

«بابا».

فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أتحرك.

مش قادرة أتنفس.

وفجأة…

عيني وقعت على الأوراق اللي كانت موجودة فوق الترابيزة قدامهم.

أوراق رسمية.

آدم كان بيقلب فيها بسرعة، والست اللي قدامه كانت بتتكلم معاه بصوت واطي.

قربت خطوة من غير ما أحس.

وبعدين خطوة تانية.

لحد ما قدرت أشوف الورقة اللي فوق.

وفي آخر الصفحة…

تحت سطور كتير من الكلام…

كانت فيه إمضة.

إمضتي أنا.

ندى محمود.

في اللحظة دي…

ماعدتش عارفة إيه اللي كان بيخوفني أكتر.

إن جوزي كذب عليا؟

ولا إن عنده طفل عمره ست سنين مستخبيه عني؟

ولا إن ست غريبة قاعدة معاه؟

ولا السؤال اللي بدأ يصرخ جوا دماغي…

إزاي؟

إزاي في أوراق رسمية عليها إمضتي…

وأنا عمري ما شوفت الأوراق دي في حياتي؟

اتحركت من مكاني وأنا حاسة إن رجلي تقيلة.

كل خطوة كنت باخدها ناحية آدم كانت بتخليني أقرب من حقيقة…

حقيقة ماكنتش أعرف إنها هتكشف لي إن حياتي كلها…

من أول يوم دخل فيه آدم حياتي من 11 سنة…

كانت مبنية على سر كبير جدًا.

حكايات شروق خالد

اتحركت من مكاني وأنا حاسة إن رجلي تقيلة.

كل خطوة كنت باخدها ناحية آدم كانت بتخليني أقرب من حقيقة…

حقيقة ماكنتش أعرف إنها هتكشف لي إن حياتي كلها…

من أول يوم دخل فيه آدم حياتي من 11 سنة…

كانت مبنية على سر كبير جدًا.

قربت أكتر.

قلبي كان بيخبط في صدري بعنف لدرجة إني حسيت إن كل اللي قاعدين في الصالة سامعينه.

آدم كان مركز في الورق.

الست اللي قدامه كانت بتبص حواليها بقلق.

أما الطفل…

فكان بيكمل رسمه بكل براءة.

وقفت قدام الترابيزة فجأة.

— آدم.

إيده اتجمدت فوق الورق.

ببطء شديد…

رفع عينه.

وأول ما شافني…

وشه كله اتسحب منه الدم.

— ندى؟

نطقت اسمه وأنا حاسة إن صوتي مش طالع مني.

— إنت بتعمل إيه هنا؟

بص حواليه بسرعة.

وبعدين بص للست.

الست كانت باصة لي بصدمة.

والطفل رفع عينه ناحيتي وقال:

— بابا… دي مين؟

الجملة نزلت عليا زي السكينة.

بصيت للطفل.

وبعدين لآدم.

— بابا؟

آدم وقف بسرعة.

— ندى… اسمعيني بس.

ضحكت.

ضحكة صغيرة غصب عني.

— أسمعك إيه؟

بصيت للست.

— دي مين؟

سكت.

— والولد ده مين؟

سكت أكتر.

حسيت الدم بيغلي في عروقي.

— بتسألني ليه ساكت؟!

مد إيده ناحيتي.

— وطي صوتك شوية، مش هنا.

زقيت إيده بعيد.

— لا، هنا.

الناس بدأت تبص علينا.

بس ماكنتش شايفة حد.

الدنيا كلها اختفت.

ماكانش قدامي غير آدم…

والست الغريبة…

والطفل اللي بيناديه بابا.

شاورِت على الولد.

— ابن مين ده؟

آدم قفل عينه للحظة.

واللحظة دي…

كانت كفاية.

حسيت بحاجة جوايا بتتكسر.

— يا نهار أبيض…

رجعت خطوة لورا.

— عندك ابن؟

— ندى، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.

صرخت فيه:

— أمال إيه اللي أنا فاهمه غلط؟!

الولد قال لك يا بابا!

وإنت ما أنكرتش!

والست دي قاعدة معاك!

وبتستخبى مني!

وبعدين…

عيني نزلت للورق.

مديت إيدي بسرعة وخطفت أول ورقة من فوق الترابيزة.

آدم حاول يمنعني.

— ندى، لأ!

لكن الورقة كانت خلاص في إيدي.

بصيت فيها.

كان فيها كلام قانوني كتير.

أسماء.

تواريخ.

أرقام بطاقات.

وفي آخر الصفحة…

إمضتي.

ندى محمود.

بصيت للإمضة.

وبعدين بصيت لآدم.

— إيه ده؟

ما ردش.

— آدم… إيه ده؟

الست قامت من مكانها.

— لو سمحت يا أستاذ آدم، لازم تعرفها.

لفيت لها بسرعة.

— تعرفني إيه؟

بصت لي.

وكان في عينيها حاجة غريبة.

مش شماتة.

مش خوف.

حزن.

وده خلاني أتوتر أكتر.

قالت بهدوء:

— أنا اسمي سارة.

قلت بعصبية:

— مش فارق معايا اسمك.

الطفل مسك إيدها.

— ماما… إحنا هنسافر إمتى؟

كل حاجة وقفت.

بصيت لها.

— ماما؟

بعدين بصيت لآدم.

— يعني… دي مش مراتك؟

آدم قرب مني.

— ندى، ممكن نقعد في مكان هادي؟

ضحكت تاني.

المرة دي ضحكتي كانت أعلى.

— مكان هادي؟

إنت من ساعتين كنت بتبوسني وبتقولي مسافر القاهرة أسبوع.

ودلوقتي لاقياك في نفس المطار مع ست وطفل بيناديك يا بابا وأوراق عليها إمضتي.

وتقولي مكان هادي؟!

آدم مسك راسي بين إيديه للحظة.

واضح إنه كان مرعوب.

وده أول حاجة خوفتني.

آدم…

الراجل اللي عمره ما شوفته بيتوتر.

اللي كان دايمًا هادي.

مسيطر.

عارف هو بيعمل إيه.

دلوقتي كان شكله…

ضايع.

قال:

— أنا ما كنتش ناوي تعرفي بالطريقة دي.

ثبت عيني فيه.

— أعرف إيه؟

رفع عينه ليا.

وقال بصوت واطي:

— الطفل ده مش ابني.

بصيت للولد.

— أمال ليه بيناديك بابا؟

آدم سكت.

سارة هي اللي ردت.

— لأنه متربي على كده.

حسيت إني مش فاهمة حاجة.

— يعني إيه؟

بصت سارة للطفل.

وبعدين قالت:

— اسمه يونس.

يونس.

الاسم دخل دماغي.

غريب…

لكن فيه حاجة شدتني.

كأن الاسم ده…

سمعته قبل كده.

قالت سارة:

— يونس عنده ست سنين.

وبعدين بصت لآدم.

— وآدم كان المفروض يكون الشخص اللي يحميه.

صرخت:

— يحميه من مين؟!

آدم قال بسرعة:

— مش هنا يا ندى.

بصيت له بكره عمري ما حسيت بيه قبله.

— لا يا آدم.

قربت منه.

— النهارده هعرف كل حاجة.

كل حاجة.

إنت مين؟

والست دي مين؟

والطفل ده مين؟

والورق ده إيه؟

وإزاي…

إزاي إمضتي موجودة على حاجة أنا ما مضيتهاش؟

سكت.

ثواني طويلة.

وبعدين…

قال:

— لأن الإمضة دي مش مزورة.

حسيت إن قلبي وقف.

— إيه؟

— إنتِ مضيتي الورق ده بنفسك.

هزيت راسي.

— مستحيل.

— مضيتيه من ست سنين.

بصيت للورقة تاني.

التاريخ.

20120.

إيدي بدأت ترتعش.

— أنا ما فاكرةش الورقة دي.

قال آدم:

— عارف.

— يبقى إنت ضحكت عليا؟

— لأ.

— أمال إيه؟!

بص لي.

وكانت نظراته مليانة وجع عمره ما شوفته في عينيه.

— لأنك وقتها ماكنتيش تعرفي إنتِ بتمضي على إيه.

حسيت برعشة في جسمي.

— يعني إيه؟

قبل ما يرد…

سارة قالت:

— لأن في ناس كانت بتخدعك من قبل ما تعرفي آدم أصلًا.

لفيت لها.

— مين؟

سكتت.

آدم قال:

— أبوكي.

الدنيا اسودت قدامي.

— إيه؟

— أبوكي هو اللي بدأ كل ده.

رجعت خطوة لورا.

— ما تجيبش سيرة أبويا.

— لازم أجيب سيرته.

— أبويا مات من سنين.

— وأنا عارف.

— يبقى سيبه في قبره.

آدم قرب.

— ندى… أبوكي ماكانش الشخص اللي إنتِ فاكرة إنه هو.

حسيت إني هضربه.

— اخرس.

— كان عنده أسرار.

— اخرس يا آدم!

— أسرار تخصك.

سكت.

نفسي اتقطع.

هو قال:

— وتخص أمك.

قلبي نزل لرجلي.

أمي.

أمي ماتت وأنا عندي 19 سنة.

وأبويا مات بعدها بثلاث سنين.

طول عمري كنت مقتنعة إن حياتهم كانت عادية.

أب موظف محترم.

وأم ست بيت.

بيت صغير.

حياة بسيطة.

مفيش أسرار.

مفيش مصايب.

فبصيت لآدم وأنا بقول:

— إنت بتكدب.

قال:

— نفسي.

سارة فتحت شنطتها.

وطلعت ملف قديم.

حطته قدامي.

آدم حاول يمنعها.

— سارة…

قالت:

— خلاص يا آدم.

11 سنة كفاية.

بصيت للملف.

كان قديم.

لونه بني.

وفيه صور متصفرة من الزمن.

فتحت أول صفحة.

ولقيت صورة.

أبويا.

كان أصغر.

واقف جنب راجل ماعرفوش.

وراجل تالت.

وعيني وقعت على الشخص الرابع.

اتجمدت.

آدم.

آدم كان موجود في الصورة.

بس شكله كان أصغر.

أصغر بكتير.

بصيت للتاريخ المكتوب ورا الصورة.

2015.

قبل ما أعرف آدم بسنة.

رفعت عيني له.

— إنت كنت تعرف أبويا؟

سكت.

— آدم؟

قال:

— أيوه.

قلبي بدأ يوجعني.

— من إمتى؟

— من قبل ما أعرفك.

— يعني مقابلتنا ما كانتش صدفة؟

سكت.

والسكوت كان الإجابة.

رجعت خطوة.

— يا نهار أسود…

حطيت إيدي على بوقي.

كل ذكرياتي بدأت تلف في دماغي.

أول مرة قابلته فيها.

يوم ما عربيتي عطلت في طريق مصر الإسماعيلية.

كان واقف بعربيته.

ساعدني.

وصلني.

وبعدين قابلته صدفة تانية.

وبعدين تالتة.

كنت دايمًا بقول إن القدر هو اللي جمعنا.

لكن دلوقتي…

سؤال واحد كان بيخنقني.

هل كان كل ده مترتب؟

قلت بصوت مكسور:

— إنت دخلت حياتي عن قصد؟

آدم ماقدرش يبص في عيني.

وده كان كفاية.

حسيت الدموع نزلت من غير ما آخد بالي.

— 11 سنة؟

قال:

— في الأول أيوه.

ضحكت بوجع.

— في الأول؟

— ندى، اسمعيني.

— 11 سنة وأنا متجوزة واحد ماعرفوش؟

— إنتِ تعرفيني.

— لأ.

هزيت راسي.

— أنا ماعرفكش.

آدم قرب.

— أنا حبيتك بجد.

صرخت:

— بس دخلت حياتي بكدبة!

— ماكنتش عارف إن الأمور هتوصل لكده.

— أمال كنت داخل حياتي ليه؟

سكت.

سارة بصت له.

واضح إنها مستنية منه يقول الحقيقة.

لكن آدم فضل ساكت.

قلت:

— ليه يا آدم؟

رفع عينه.

وكانت أول مرة أشوف فيها خوف حقيقي.

قال:

— كنت داخل حياتك علشان أحميكي.

حسيت إني اتجمدت.

— أحميّني من إيه؟

بص ناحية يونس.

الطفل كان ماسك قلم وبيكمل تلوين.

السابق1 من 6
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى