روايات وقصص

لما جوزي طلب الطلاق وأنا بطبخ العزومة… حكايات شروق خالد

كنت بطبخ عشا عيد الشكر لتسعة أشخاص، لما جوزي فجأة طلب الطلاق. ابتسمت، وبصيت لحماتي وقلت لها: «يبقى خلي مرات ابنك الجديدة تكمل الطبخ». خلعت المريلة وخرجت. بعد 48 ساعة، موبايلي كان عليه 87 مكالمة فائتة. أغلبهم ماكانوش بيسألوا إذا كنت بخير. كانوا عايزين وصفات، وأوراق، وباسوردات، والست اللي كانت بهدوء ماسكة كل حاجة في عيلتهم وبتخلي حياتهم ماشية. وقتها كنت قاعدة قدام محامية، وقدامي ملف أزرق مليان مستندات جوزي ماكانش يتخيل أبدًا إني ممكن أستخدمها ضده.

 

كنت صاحيه من الساعة 5:12 الصبح.

الديك الرومي كان في الفرن، والبطاطس المهروسة كانت متغطية، وفطيرتين كانوا بيبردوا جنب الشباك، والسفرة كانت متجهزة بطقم الصيني اللي عيلة جوزي كانت متوقعة إني أطلعه كل سنة في عزومة كبيرة زي دي.

حماتي، الحاجة زينب، وصلت وهي شايلة شنطتها بس.

بصت حوالين المطبخ، وفتحت التلاجة من غير ما تستأذن، وبرضه لقت حاجة تنتقدها.

قالت: «إنتِ اللي عاملة صوص التوت ده؟»

قلت: «أيوه.»

قالت: «محمود كان دايمًا بيحب الجاهز اللي في البرطمان.»

قبل الظهر، عدد الضيوف زاد من تسعة لاتناشر. ابن عم محمود جاب معاه واحد صاحبه محدش كان قال لنا عليه. أخته طلبت أكلة مخصوص عشان غيرت نظام أكلها. ومحمود فتح زجاجة نبيذ وقعد يستقبل المدح على «مساعدته».

كنت اشتغلت طول الأسبوع. شلت مسؤولية البيت. مسكت حسابات الشركة. ووقفت جنب محمود في السنين اللي شركته كانت بتتعرض فيها لأزمات.

لما العملاء كانوا بيتأخروا في الدفع، كنت أنا اللي بغطي المصاريف. ولما المرتبات كانت بتبقى مهددة، استخدمت فلوس من ميراث جدتي. محمود كان بيقدم نفسه باعتباره مؤسس الشركة. أما أنا، فكنت الست اللي بتفضل صاحيه بعد نص الليل عشان تتأكد إن كل حاجة لسه ماشية.

كنت دايمًا بقول لنفسي إن الجواز مش المفروض يبقى منافسة على مين ياخد الفضل.

لحد الساعة 2:17 بالضبط، لما محمود دخل المطبخ وقال:

«سلمى، إحنا محتاجين نتكلم.»

المكان كله اتغير قبل حتى ما أفهم السبب.

أخته وقفت وهي شايلة الأطباق. الحاجة زينب حطت إيديها على سلة العيش. ومحمود بص لي بنظرة هادية بشكل خلاني أحس إنه متدرب عليها من قبل.

قال:

«أنا عايز أطلقك.»

بصيت له، وبعدين بصيت لأمه.

وقلت:

«من إمتى وإنتوا عارفين؟»

الحاجة زينب هي اللي ردت.

«من كام أسبوع.»

محمود قال إنه قابل واحدة تانية. اسمها نادين. الست اللي اختارها كانت أصغر، وأسعد، وعلى حد قوله أنسب للحياة اللي هو عايزها.

وبعدين بص ناحية الفرن وقال:

«كملي العشا، وبعد ما الناس تمشي نتكلم في التفاصيل.»

في اللحظة دي فهمت كل حاجة.

هما جم بيتي وهما عارفين اللي محمود ناوي يعمله. كانوا متوقعين إني أطبخ، وأخدمهم، وأبتسم، وهما بيجهزوا يخرجوني من العيلة قبل حتى ما نخلص الأكل.

مديت إيدي ورا ضهري وفكيت المريلة.

كانت لونها كريمي، وعليها تفاح أحمر لونه باهت. بنتي ملك كانت جابتهالي من سنين.

طويتها بهدوء وحطيتها على الرخامة.

وبعدين بصيت للحاجة زينب وقلت:

«محمود بيقول إن نادين أنسب للعيلة دي.»

قالت:

«سلمى، الموضوع صعب على الكل.»

قلت لها:

«يبقى خلي مرات ابنك الجديدة تكمل الطبخ.»

محمود قال لي ما أعملش دراما.

لفيت ناحية البوتاجاز وطفيته.

الصوص وقف يغلي، والفاصوليا الخضرا بطلت تطلع بخار.

قلت:

«أنا ماشية.»

محدش قام ورايا.

قضيت الليلة في فندق صغير في وسط القاهرة، وقفلت موبايلي.

ولأول مرة من سنين، نمت من غير ما أفكر في إيه اللي لازم يتصلح تاني يوم الصبح.

لما صحيت، لقيت على موبايلي 32 مكالمة فائتة.

الرسائل في الأول كانت كلها استغراب.

«فين وصفة الجريفي؟»

«الفرن بيصفر.»

«الديك الرومي لسه مستويش من جوه.»

وبعدين الرسائل اتحولت لاتهامات.

محمود محتاج مساعدة. الحاجة زينب متضايقة. وكلهم عايزينني أرجع وأتعامل مع الكارثة اللي حصلت.

لكنني ما رديتش.

بدل كده، اتصلت بمنى، محامية كانت واحدة من زميلاتي رشحتها لي.

وده كان الجزء اللي محمود ماكانش يعرفه.

قبل العزومة بأيام، كنت اكتشفت طلب بمبلغ 75 ألف جنيه مقدمًا على قرض بضمان البيت. محمود قال إن الفلوس للشركة، لكن لما سألته عن التفاصيل، قال إني مكبرة الموضوع.

وبعدها، صلاحية دخولي على حسابات الشركة توقفت.

فبدأت أجمع المستندات.

لقيت عقد الملكية اللي بيوضح إن ميراثي ساعد في تأمين حصتي في الشركة. ولقيت أقساط الرهن العقاري اللي أنا دفعتها في أصعب السنين. ولقيت فواتير فنادق محمود عمره ما فسرها، وتحويلات مالية مرتبطة بشركة نادين الاستشارية.

حطيت كل حاجة في ملف أزرق قبل صباح العزومة.

يوم الاتنين، دخلت مكتب منى، وحطيت الملف الأزرق قدامها على المكتب.

بصت لي منى، وبعدين فتحت الملف.

ومع أول ورقة قرأتها، رفعت عيني وقالت:

«سلمى… إنتِ عارفة إن المستندات دي ممكن تقلب الطلاق كله على دماغ محمود؟»

ابتسمت لأول مرة من يوم ما طلب مني الطلاق.

وقلت لها:

«أنا مش عايزة أقلب حياته يا منى… أنا بس عايزة آخد حقي، وأخرج من الجواز ده وأنا رافعة راسي.»

حكايات شروق خالد

منى فضلت ساكتة شوية وهي بتقلب في الورق واحدة واحدة، وكل ما تقرأ مستند كانت ملامحها بتتغير أكتر.

قالت وهي بتشاور على كشف الحساب: «سلمى، التحويلات دي كلها رايحة لشركة نادين؟»

هزيت راسي.

«أيوه.»

«ومحمود قال لك إيه؟»

ضحكت بسخرية.

«قال لي إن نادين مستشارة جديدة للشركة، وإن التحويلات دي مقابل شغلها.»

منى رجعت تبص في الورق.

«طيب، عندك دليل إنك كنتِ بتشتغلي في الشركة؟»

طلعت لها ملف تاني.

«عندي إيميلات من العملاء، كشوف المرتبات، عقود أنا اللي وقعتها، وتحويلات من حسابي الشخصي لحساب الشركة وقت الأزمة.»

منى قلبت الورق، وبعدها سندت ضهرها على الكرسي.

«إنتِ كنتِ شريكة فعلية في الشركة، حتى لو محمود كان بيحاول يظهر قدام الناس إنك مجرد مراته.»

بصيت لها من غير كلام.

قالت: «وفي حاجة أخطر.»

قلبي دق بسرعة.

«إيه؟»

حطت صباعها على طلب القرض.

«محمود حاول ياخد قرض بضمان البيت من غير موافقتك الكاملة.»

«بس البيت باسمه.»

«مش بالضرورة ده معناه إنه يقدر يعمل اللي هو عايزه، خصوصًا لو فيه ملكية مشتركة أو مساهمات مالية منك.»

سكتت شوية، وبعدين قالت:

«إنتِ كنتِ بتحولي له فلوس من ميراث جدتك؟»

«أيوه.»

«ليه؟»

«كان بيقولي إن الشركة هتقفل لو ما ساعدتوش.»

منى بصت لي بنظرة طويلة.

«سلمى، هو كان بيستغل ثقتك.»

الكلمة وجعتني أكتر مما توقعت.

طول السنين اللي فاتت كنت بقول لنفسي إني زوجة بتساند جوزها.

لكن لأول مرة، بدأت أشوف الصورة من بعيد.

أنا ماكنتش بس بسانده.

أنا كنت ببني معاه حاجة، وهو كان بياخد الفضل كله لنفسه.

رن موبايلي.

بصيت للشاشة.

محمود.

منى قالت: «ما ترديش.»

بصيت للمكالمة وهي بتنور قدامي.

وبعدين قفلتها.

بعد ثواني وصلت رسالة.

«سلمى، كفاية اللي بتعمليه. ارجعي البيت ونتكلم زي الكبار.»

ضحكت.

زي الكبار؟

هو اللي طلب الطلاق قدام أمه وأخته وسط عزومة عائلية، وعايزني أنا اللي أتصرف زي الكبار؟

منى قالت:

«إنتِ دلوقتي محتاجة تختفي شوية عن عيلته، وممنوع تبعتي أي تهديدات أو رسائل عصبية. سيبي الورق يتكلم.»

هزيت راسي.

وقبل ما أقوم، سألتني:

«إنتِ عندك مكان تروحيه؟»

«عندي شقة جدتي القديمة في مصر الجديدة.»

«روحي هناك.»

خرجت من عندها وأنا لأول مرة حاسة إن فيه حد واقف في ضهري.

وصلت الشقة قبل المغرب.

كانت شقة صغيرة، قديمة، بس ريحتها كانت مختلفة.

ريحة جدتي.

فتحت الشبابيك، ودخل هوا بارد، وقعدت على الكنبة اللي كانت جدتي بتحب تقعد عليها.

بعد أقل من ساعة، موبايلي رن تاني.

المرة دي كانت ملك.

«ماما؟»

صوتها كان متوتر.

«أيوه يا حبيبتي.»

«بابا قال لي إنك سيبتي البيت عشان إنتِ عايزة تطلقي منه.»

سكت شوية.

بعدين قلت: «بابا قال لك كده؟»

«أيوه.»

قفلت عيني.

حتى بنتي كان بيحاول يدخلها في الموضوع.

قلت لها بهدوء:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى