روايات وقصص

ضحيت بمستقبلي علشان أنقذ جارتي حكايات شروق خالد

«جوزك ده راجل يتعاشر.» قالتها الممرضة بهدوء، وهي بتظبط المحلول المثبت في دراع سارة عبد الرحمن. سارة لفت راسها ناحية الركن اللي كنت قاعد فيه متكور على كرسي في أوضة المستشفى، كرسي واضح إنه معمول مخصوص علشان يعاقب أي حد يفكر ينام عليه. عيني كانت مقفولة، رقبتي وجعاني، وكنت صاحي بقالّي تقريبًا أربع وعشرين ساعة.

 

كان المفروض أفضل ساكت.

وكان المفروض أكمل تمثيل إني نايم.

لكن من أضيق فتحة بين جفوني، شفت سارة بتبتسم.

«عارفة.»

همست بالكلمة.

معدتي اتقبضت.

لأن سارة عبد الرحمن ما كانتش مراتي.

كانت جارتي.

إحنا عمرنا ما اتواعدنا.

ولا عمرنا اتباسنا.

ولحد الليلة اللي فاتت، عمري ما مسكت إيدها أكتر من الوقت اللي كنت بساعدها فيه تشيل أكياس المشتريات.

ومع ذلك، قبلها بـ12 ساعة بس، والدكاترة كانوا بيجهزوا يدخلوا سارة عملية قلب طارئة، وموظف في المستشفى سألني إذا كنت من عيلتها.

بصيت له في عينه وقلت كلمة واحدة:

«جوزها.»

كانت كذبة.

كذبة يائسة واندفاعية، سمحتلي أفضل جنب ست مرعوبة كانت بتبصلي من سرير المستشفى وبتقول:

«أرجوك ما تسبنيش.»

ودلوقتي سارة سمعت الممرضة وهي بتقول إني جوزها.

وبدل ما تصحح لها، ابتسمت وقالت إنها عارفة.

قفلت عيني تاني.

أنا راجل شغلي كله قائم على قراءة حالة الجو، واتجاه التيارات، وحركة الموتورات، ومجاري النهر، ومع ذلك ما كانش عندي أي فكرة عن اللي جاي.

قبل عشرين ساعة بس، كانت حياتي بسيطة لدرجة إنها كانت ممكن تتكتب على سبورة بيضا.

اسمي ياسين مراد، وكنت بملك شركة صغيرة لتنظيم رحلات المراكب في القاهرة، شغالة من مرسى على النيل. كان عندي مركب واحدة، واتنين عمال موسميين، وإيجار للمرسى، وقسط شقتي، وخطة إني أشتري مركب تانية في الربيع اللي جاي.

كل جنيه كان ليه وظيفة.

كل ميعاد صيانة كان متسجل على التقويم.

وكل رحلة نيلية كان ليها خطة بديلة.

أصحابي كانوا بيهزروا ويقولوا إني لو حد اداني وقت كفاية، ممكن أحدد ميعاد المطر بالدقيقة.

ومكانوش غلطانين أوي.

في عصر يوم التلات، الهوا اشتد فجأة عن المتوقع.

كان صاحبي وعامل المرسى، شريف، واقف جنبي ماسك دفتر الحجوزات على صدره، والموج الخفيف للنيل بيخبط في جسم المركب.

قال:

«الجماعة بيقولوا إنهم مش فارق معاهم الهوا ولا الميه. دول ناس شركة جايين من الجيزة، ودافعين سعر الرحلة كامل.»

شدّيت حبل المركب وبصيت ناحية النيل.

المية كانت بدأت تتقلب بشكل مش مريح.

قلت:

«اتصل بيهم. نأجل الرحلة أو نرجع لهم فلوسهم.»

شريف تنهد.

«يا ياسين، دي حوالي تلاتين ألف جنيه.»

بصيت له.

«والغرق هيكلفنا أكتر.»

فضل باصصلي كام ثانية، وبعدها هز راسه وهو بيضحك.

«تعرف إيه مشكلتك؟»

قلت:

«إني موظف ناس بتسأل أسئلة ملهاش لازمة؟»

قال:

«إنت عمرك ما بتغامر.»

رديت وأنا بربط الحبل:

«وعشان كده لسه عندك شغل.»

مشيت من المرسى بدري.

وقتها كنت متضايق إني خسرت الفلوس.

لكن مع غروب الشمس، كنت مستعد أدي كل جنيه كسبته في حياتي، بس علشان أرجع للحظة دي، وتكون الفلوس هي أكبر مشكلة عندي تاني.

سارة كانت ساكنة جنبي في بيت قديم في منطقة هادية في القاهرة، بيت صغير بواجهة زرقا وبلكونة عليها نباتات كتير، وشجرة كبيرة كانت كل ما الهوا يشتد ترمي فروعها في حوش بيتنا إحنا الاتنين.

كنا جيران بقالنا تقريبًا سنتين.

كنا بنستلم طرود بعض.

وأنا لما كنت برجع البيت قبلها، كنت برجع لها صندوق الزبالة من على الرصيف.

وهي كانت بتسقي الزرع اللي قدام شقتي لما رحلات المراكب تخليني بعيد عن البيت كذا يوم.

دي كانت الصورة الرسمية لعلاقتنا.

أما الحقيقة فكانت أصعب في الشرح.

كنت عارف إنها بتحب القهوة بسكر زيادة ولبن كتير.

وهي كانت عارفة إني بكره الطماطم، رغم إني بزرعها في أصص على السطح لأن أبويا الله يرحمه كان بيحب يزرعها.

كنت عارف إنها بتشتغل في متحف تاريخي في القاهرة، وكانت بطريقة غريبة تقدر تخلي مجموعة من الأطفال اللي مش مهتمين بأي حاجة يقعدوا يسمعوا عن تاريخ القاهرة القديمة بالساعات.

وهي كانت عارفة أي صوت للموتور معناه إني هفضل بره لحد نص الليل.

وكنت عارف إنها أحيانًا بعد ما ترجع من الشغل كانت بتقف في البلكونة، وإيدها على صدرها، وتستنى نفسها يرجع طبيعي.

سارة كانت مولودة بعيب خلقي في القلب.

حكتلي عنه مرة، بنفس الطريقة اللي ممكن حد يحكي بيها عن وجع في ركبته.

أبوها وأمها ماتوا في حادثة عربية من أربع سنين، وما كانش عندها إخوات.

وأقرب قرايب ليها كانوا عايشين بعيد عن القاهرة.

وفي يوم من الشهور اللي فاتت، لقيت محفظتها جنب صندوق البريد ورجعتها لها، ولاحظت كارت للطوارئ محطوط ورا بطاقتها.

لما رجعته لها، قالتلي:

«لو في يوم وقعت ومبقتش بتحرك، اتصل بالإسعاف فورًا. متضيعش وقتك وإنت بتحاول تفوقني.»

ضحكت وقتها.

وقلت:

«إنتِ شايلة تعليمات للطوارئ؟»

ردت:

«بحب أكون منظمة.»

قلت لها وأنا بضحك:

«بصي مين بيتكلم.»

في يوم التلات ده، لما دخلت بعربيتي من باب العمارة، لقيت سارة واقفة قدام باب شقتها بتحاول تسحب كرتونة تقيلة لجوه.

وشها كان شاحب.

مش شحوب الأفلام.

ولا شحوب مبالغ فيه.

بس كان فيه حاجة غلط.

نزلت من العربية وعديت ناحيتها.

قلت:

«عايزة مساعدة؟»

ابتسمت وقالت:

«كنت أتمنى إنك تعمل نفسك مش شايفني وأنا بخسر معركة مع كرتونة كتيبات.»

مسكت الكرتونة منها.

«إنتِ واخدة الشغل معاكي البيت؟»

قالت:

«كتيبات جديدة للجولات السياحية.»

بصيت لها كويس.

«إنتِ شكلك تعبان.»

ضحكت وقالت:

«دي جملة رومانسية جدًا تقولها لست.»

اتجمدت لحظة، وكنت هوقع الكرتونة من إيدي.

لكن سارة ابتسمت.

وأنا أقنعت نفسي إنها كانت بتهزر، لأنها كانت بتهزر مع كل الناس.

حطيت الكرتونة جنب ترابيزة المدخل.

سندت سارة ضهرها على إطار الباب.

وقالت:

«رجعت بدري.»

قلت:

«الهوا.»

سألتني:

«ألغيت الرحلة؟»

حكايات شروق خالد

«ألغيت الرحلة؟»

هزيت راسي.

«آه. الجو مش مطمّن.»

ابتسمت وقالت:

«أنت مستحيل تتغير.»

«يعني دي حاجة وحشة؟»

«لا، بالعكس.»

سكتت لحظة، وبعدها حطت إيدها على صدرها.

لاحظت الحركة فورًا.

«سارة؟»

رفعت عينيها لي.

«إيه؟»

«إنتِ كويسة؟»

ابتسمت بسرعة.

«كويسة.»

«متأكدة؟»

«يا ياسين، أنا بس طلعت السلم بسرعة.»

بصيت للسلم.

«إنتِ ساكنة في الدور الأول.»

ضحكت.

«كنت مستعجلة.»

لكن ضحكتها ما كانتش طبيعية.

كان نفسها قصير.

وشفايفها بدأت تفقد لونها.

حطيت إيدي على كتفها.

«اقعدي.»

«أنا كويسة.»

«سارة، اقعدي.»

المرة دي ما جادلتنيش.

قعدت على الكرسي الصغير اللي جنب الباب، وأنا نزلت لمستواها.

«عندك دوا؟»

هزت راسها.

«في الشنطة.»

جريت جبت الشنطة، وبدأت أفتش فيها.

«فين؟»

«الجيب الداخلي.»

لقيت علبة الدوا، وناولتها لها.

أخدته، لكن إيدها كانت بتترعش.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

«اتصل بالإسعاف.»

مسكت إيدي.

«استنى.»

«مش هستنى.»

«ياسين، لو اتصلت، هيفضلوا يسألوني أسئلة وأنا مش ناقصة.»

«وإنتِ فاكرة إني هسمع الكلام ده؟»

حاولت تقوم.

أول ما وقفت، جسمها مال فجأة.

لحقتها قبل ما تقع.

«سارة!»

مسكتها بين دراعاتي.

كانت خفيفة بشكل أخافني.

«بصيلي.»

عينيها كانت نص مقفولة.

«أنا… كويسة.»

«إنتِ مش كويسة.»

طلعت موبايلي واتصلت بالإسعاف.

في أقل من دقايق، كان صوت السرينة مالي الشارع.

وأنا واقف جنبها، ماسك إيدها، وهي بتقاوم إنها تقفل عينيها.

قالت بصوت ضعيف:

«ما تسبنيش.»

قلت لها:

«مش هسيبك.»

بصتلي للحظة.

وكان في عينيها خوف عمري ما شفته قبل كده.

بعدها فقدت الوعي.

كل حاجة بعدها حصلت بسرعة.

المسعفين دخلوا.

حطوا لها جهاز أكسجين.

ركبوها النقالة.

وأنا طلعت وراهم.

في المستشفى، الدكتور أول ما شاف التحاليل، وشه اتغير.

«حضرتك قريبها؟»

بصيت لسارة.

كانت لسه فاقدة الوعي.

قلت:

«جارها.»

الدكتور قال:

«محتاجين حد من الأسرة يوقع على بعض الإجراءات، وحالتها محتاجة تدخل جراحي عاجل.»

«فين أهلها؟»

«حسب البيانات، مفيش حد هنا.»

اتصلوا برقم الطوارئ الموجود في ملفها.

الرد كان بطيئًا، والوقت كان بيجري.

الدكتور قال:

«العملية لازم تتعمل دلوقتي.»

قلت:

«اعملوها.»

بصلي باستغراب.

«حضرتك مش ولي أمرها.»

«أنا عارف.»

«يبقى لازم حد من أقاربها.»

بصيت لسارة.

وشفتها وهي بتحاول تفتح عينيها.

قالت بصوت شبه هامس:

«ياسين…»

قربت منها.

«أنا هنا.»

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى