Uncategorized

الولادة الأخيرة في قلب المطر» حكايات شروق خالد

كانت بتولد في حقل وقت الخريف والمطر، وماتت وهي حاضنة طفلها. وبعد يوم، مرّ عم إبراهيم ومراته أمينة بالمكان بالصدفة وهما بيدوروا على الفطر.

كانت مريم مستنية جوزها أحمد يرجع من شغله.

أحمد كان سافر من شهر للشمال، يشتغل في موقع بترول. كانوا محتاجين الفلوس. البيت قديم، والسقف بيسرب ميّه، والبقرة لسه ما ولدتش. والبيبي قرب ييجي، فاضل أسبوعين بس.

أحمد كان نفسه يلحق يرجع قبل الولادة.

وعدها:

«هكون جنبك يا مريم، ومش هسيبك تولدي لوحدك.»

بس ما لحقش.

من الصبح والمطر بينزل رذاذ خفيف. مطر خريفي بارد، والجو كله غيوم ورياح.

خرجت مريم للحوش عشان تقطع شوية حطب.

وفجأة، ألم حاد ضرب أسفل ضهرها.

مرة…

واتنين…

وقفت مكانها وحطت إيدها على ضهرها.

«لا… مستحيل.»

حاولت تقنع نفسها إنها مجرد تقلصات عادية.

انحنت عشان ترفع قطعة خشب، لكن فجأة مسكها ألم أقوى، لدرجة إن نفسها اتقطع والدنيا اسودت قدام عينيها.

كانت بداية الولادة.

همست وهي مرعوبة:

«يا رب… بدري! لسه فاضل أسبوعين.»

القرية كانت على بُعد تلاتة كيلومترات.

هناك الوحدة الصحية، والدكتورة، والتليفون، والناس.

لبست مريم معطفها بسرعة، وخدت اللفة الصغيرة اللي كانت مجهزاها للبيبي، وحطتها تحت دراعها.

خرجت من البيت وقفلت الباب.

ومشت.

المطر زاد.

الأرض بقت طين، ورجليها كانت بتتزحلق كل شوية.

تمشي شوية…

تقف…

تستنى الألم يهدى…

وبعدين تكمل.

لكن بعد ما قطعت نص الطريق، عرفت إنها مش هتقدر توصل.

الطلقات بقت أقوى وأقرب.

مفيش وقت تقريبًا بينها.

حاولت تكمل ناحية القرية، لكن ركبتها خانتها.

وقعت على الأرض.

رفعت عينيها للطريق البعيد.

مفيش حد.

مفيش عربية.

مفيش بيت قريب.

مفيش حتى صوت إنسان.

وفجأة لمحت حقل كبير على جنب الطريق.

دخلت فيه وهي بتجر رجليها.

ما كانتش عارفة هي رايحة فين.

يمكن كانت بتدور على مكان يستخبى من المطر.

يمكن كانت بتدور على كومة قش.

أو يمكن جسمها هو اللي اختار الطريق بدل عقلها.

في آخر الحقل، جنب شوية أشجار، لقت كومة قش قديمة.

زحفت ناحيتها.

وقعت على الأرض.

وبدأت تولد.

لوحدها.

في الطين.

تحت المطر.

والسما فوقها رمادية وساكتة.

صرخت.

صرخة طويلة خرجت من قلبها.

لكن محدش سمع.

الحقل كان فاضي.

والغيطان ساكتة.

والشجر بيتحرك مع الريح.

حتى الغربان اللي كانت واقفة فوق الشجر طارت للحظة، وبعدين رجعت مكانها.

وبعد وقت طويل من الألم…

ولد الطفل.

ولد صغير.

ضعيف.

مريم كانت بتترعش من البرد والإرهاق.

لكن أول ما شافته، نسيت كل حاجة.

ابتسمت رغم دموعها.

«ابني…»

مدت إيديها المرتعشة ولفته في الشال اللي كانت جايباه معاه.

ضمته لصدرها.

«ياسين…»

ده الاسم اللي كانت هي وأحمد متفقين عليه لو ولد.

حاولت تقوم.

لكنها ما قدرتش.

الدم كان بينزل بغزارة.

حطت إيدها على بطنها، وحست بقوة جسمها بتروح منها.

بدأت تفهم.

كانت بتموت.

بصت لياسين.

كان صغير جدًا.

وشه أحمر، وجسمه ضعيف.

بدأ يطلع صوت خافت.

مريم قربته من صدرها.

قبلت جبينه.

وقالت بصوت مكسور:

«سامحني يا ابني… أبوك كان نفسه يكون هنا.»

الطفل تحرك بين إيديها.

مريم نزعت معطفها، رغم إن جسمها كان بيرتعش من البرد، وغطته بيه.

فضلت هي بفستانها المبلول.

سندت ضهرها على كومة القش.

وضمت ياسين لصدرها للمرة الأخيرة.

«عيش يا ابني… حتى لو أنا مش هكون جنبك.»

دمعة نزلت من عينها.

قفلت عينيها.

وبعد ساعات…

سكت نفسها.

مع أول ضوء للفجر، كانت مريم ماتت.

لكن ياسين كان لسه عايش.

كان مستخبي تحت المعطف والشال.

دافي بآخر ذرة دفء فضلت في جسم أمه.

ما كانش بيعيط.

ما كانش عنده القوة.

كان بيطلع صوت صغير ضعيف…

زي قطة صغيرة.

زي عصفور مصاب.

وفي نفس الصباح، كان عم إبراهيم خارج مع مراته أمينة.

قال لها وهو ماسك السلة:

«يلا يا أمينة، نروح ناحية الغيط الكبير. السنة اللي فاتت لقينا هناك فطر كتير.»

أمينة بصت للجو وقالت:

«المطر ده؟ إحنا هنرجع بالطين لحد ركَبنا.»

ضحك عم إبراهيم:

«وإيه يعني؟ ما إحنا قاعدين طول اليوم في البيت نعمل إيه؟ يلا.»

خرجوا.

مشوا وقت طويل.

عدوا من بين الغيطان، وبعدها دخلوا ناحية الأشجار.

الجو كان بارد، والأرض مبلولة.

مفيش فطر تقريبًا.

عم إبراهيم كان بيبص في الأرض بضيق.

وفجأة وقف.

رفع إيده.

«استني.»

أمينة بصت له:

«في إيه؟»

قال:

«سمعتي؟»

«سمعت إيه؟»

«صوت.»

سكتوا.

ركزوا.

وبعد ثواني…

سمعوا صوت ضعيف جدًا.

أمينة قالت:

«ده… عياط؟»

عم إبراهيم هز راسه:

«أيوه.»

«يمكن قطة؟»

قال:

«قطة إيه في وسط الغيط؟ تعالي.»

مشوا ناحية الصوت.

كل خطوة كانوا بياخدوها كانت بتقربهم من الحقيقة.

لحد ما وصلوا ورا كومة القش.

وفجأة…

أمينة حطت إيدها على بقها.

«يا ساتر يا رب!»

قدامهم كانت مريم.

مرمية على الأرض.

ميتة.

وشها هادي، وعينيها مقفولة، وشكلها كأنها نايمة.

وعلى صدرها…

كان فيه طفل.

صغير جدًا.

مزرق من البرد.

لسه بيتنفس.

أمينة بدأت تبكي:

«يا نهار أسود… دي ست ماتت وهي بتولد.»

عم إبراهيم قرب بسرعة.

حط إيده على رقبتها.

مفيش نبض.

بص للطفل.

الولد كان بيحاول يتنفس.

مد إيده وشاله بحذر.

إيده كانت بتترعش.

لفه في الجاكيت اللي كان لابسه، وضمه لصدره.

قال:

«يا أمينة، اجري على البلد.»

«أعمل إيه؟»

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى