روايات وقصص

أرجوك… تعالى خدني» حكايات شروق خالد

«أرجوك… تعالى خدني.» المساعدة توسلت له، والرئيس التنفيذي اللي كل الناس بتخاف منه ساب كل حاجة وجِه لها. بعد 3 سنين في شركة «العشري للاستثمارات»، كنت بقيت خبيرة في حاجتين بالضبط: قراءة بيانات الشحن، وتجنب إني أبص في عينين رامي العشري مباشرة كل ما يدخل مكان.

 

المهارة التانية كانت أصعب بكتير.

شركة العشري كانت بتدير مجموعة كبيرة من الاستثمارات في البنية التحتية في أنحاء مصر. شبكات نقل ولوجستيات، عقارات تجارية، وشركات مقاولات كانت بتدخل في أكبر المناقصات والعقود الحكومية.

شركات ناجحة.

شركات قانونية.

النوعية اللي بتظهر في مجلات الاقتصاد وصفحات رجال الأعمال.

لكن الملفات الرسمية ما كانتش بتتكلم عن الجانب التاني من المؤسسة.

كل اللي في الشركة كانوا عارفين الجزء ده بطريقة شبه فهم الناس للبحر وقت النوة.

مش لازم تعرف كل التفاصيل.

يكفي تحس بقوة التيار، وتعرف إمتى تبعد.

رامي العشري كان بيتحرك في دوائر عمرها ما تقاطعت مع دايرتي.

خلال 3 سنين، سمعت كلام متقطع كفاية خلاني أفهم الصورة العامة، حتى لو عمري ما عرفت التفاصيل كاملة.

لما رامي العشري يقول إنه هيتصرف في موضوع…

الموضوع كان بيخلص.

والتفاصيل كانت بتختفي.

وأنا كنت حريصة.

بخلي راسي في شغلي.

بعمل المطلوب مني.

وكل مرة رامي يظهر عند باب قسم العمليات، وعينيه الغامقة تقع عليا قبل أي حد تاني، كنت ببص بعيد.

لأني كنت مرتبطة بمراد.

مراد رينهارت.

مخرج أفلام وثائقية مستقل، على الأقل ده اللي كان كاتبه في حسابه على السوشيال ميديا.

اتقابلنا في عرض فيلم في دار الأوبرا المصرية من حوالي سنتين ونص.

كان خفيف الدم، مليان طاقة، وكان بيبص لي كأني أكتر واحدة مثيرة للاهتمام في المكان.

صدقت كلامه.

ووقعت في حبه.

وبحلول الوقت اللي فهمت فيه علاقتنا وصلت لإيه، كانت حياتي كلها تقريبًا اتبنت حوالين مراد.

مزاجه.

مواعيده.

شغله.

وطريقته الغريبة في الحب، اللي ما كانتش شبه الدفا قد ما كانت شبه قفص بيقفل واحدة واحدة، لحد ما بقيت أقنع نفسي إن الاختناق ده طبيعي.

الرسائل بدأت تقريبًا بعد الشهر التامن.

«إنتِ فين؟»

ما كانتش أبدًا مجرد سؤال.

كانت أمر متخفي في 3 كلمات.

وأنا في الشغل كنت برد.

«في الشركة.»

وبعدها رسالة تانية:

«كنتِ بتكلمي مين في الجراج؟»

«دارين.»

زميل في الشغل.

كان بيحكي لي عن أولاده ومباراة الكورة بتاعت ابنه.

وده كل شيء.

لكن مراد ما كانش بيؤمن بحاجة اسمها «وده كل شيء».

كان شايفني دايمًا على بُعد خطوة من إني أخونه.

مهما كنت حريصة.

ومهما شرحت.

وبعد 3 سنين في شركة العشري، كنت مسحت أرقام معظم أصحابي من موبايلي.

مراد عمره ما قال لي بشكل مباشر:

«امسحي أرقامهم.»

كان أذكى من كده.

كان بيخلي كل علاقة في حياتي مرهقة.

كل مكالمة تتحول لاستجواب.

كل خروجة محتاجة تفسير.

كل اسم جديد كان سببًا في مشكلة.

وفي النهاية، بقى أسهل عليا أسيب الناس تختفي من حياتي بدل ما أواجه عواقب احتفاظي بيهم.

موقعي كان متشارك مع مراد طول الوقت.

كان يقول:

«عشان أمانك.»

وبعدين يضيف:

«عشان أنا بحبك.»

الليلة اللي كل حاجة فيها انهارت كانت يوم تلات عادي في شهر نوفمبر.

موجة برد ضربت القاهرة، والهواء كان بيدخل من الهدوم كأنها مش موجودة.

فضلت 20 دقيقة زيادة في الشركة عشان أخلص مراجعة عقد شركة الدلتا.

كنت لاقية اختلاف في واحد من الحسابات الفرعية.

حاجة كانت مقلقاني بقالها كام يوم.

ولما خلصت، ركبت الأسانسير ناحية اللوبي.

في نفس اللحظة، لقيت رامي خارج هو كمان.

كانت رابطة عنقه مفكوكة شوية.

وشايل ملف تحت دراعه.

بص لي بالطريقة اللي أحيانًا كان بيبص لي بيها لما يفتكر إني مش واخدة بالي.

كأنه بيدرس مشكلة، ولسه ما قررش إذا كان هيتدخل فيها ولا لأ.

قال:

— لسه هنا؟

حافظت على نبرة صوتي المهنية.

— بخلص عقد شركة الدلتا.

— خلص؟

— أيوه.

هز راسه.

نزلنا في صمت إحنا الاتنين بقينا محترفين فيه خلال 3 سنين.

صمت كان شايل كلام أكتر من كل اللي ما اتقالش بينا.

قبل ما الأسانسير يوصل اللوبي بلحظات، رامي لف ناحيتي.

— سلمى.

كان دايمًا بينطق اسمي بعناية.

وبطريقة مقصودة.

كأنه بيختار كل كلمة قبل ما يقولها.

— رقمي المباشر موجود في دليل الشركة.

مد إيده في جيبه.

— لكن عايزك تحتفظي برقمي الشخصي.

طلع كارت صغير.

رقم مكتوب بخط إيده.

من غير منصب.

ومن غير شرح.

بصيت للكارت.

— أنا عندي رقم الشركة الرئيسي.

— عارف.

إيده فضلت ممدودة.

— الرقم ده مختلف.

رفع عينيه لعيني.

— لو احتجتي أي حاجة مالهاش علاقة بالشغل، كلميني على الرقم ده.

سكت لحظة.

— في أي وقت.

وبعدين قال بصوت أهدى:

— فاهمة؟

كنت فاهمة.

بس ما كنتش عارفة أعمل إيه بالمعلومة دي.

قلت:

— شكرًا يا أستاذ رامي.

أخدت الكارت.

رامي هز راسه مرة واحدة وخرج للبرد.

فضلت واقفة في اللوبي لحظة.

وبعدين بصيت لموبايلي.

كان مراد باعت 4 رسائل خلال آخر 40 دقيقة.

حفظت رقم رامي.

وبعدين روحت البيت.

مراد كان في المطبخ لما وصلت.

المفروض إن ده ما يكونش مشكلة.

لكن فورًا بقى مشكلة.

كان شارب.

عرفت من طريقته في الحركة، ومن فكه المشدود وهو بيبص لي.

3 زجاجات فاضية كانوا موجودين على الرخامة.

مراد كان بيمر بفترات زي دي لما شغله يفشل، أو لما يحس إن الدنيا كلها مدينة له بحاجة.

قال:

— إنتِ اتأخرتي.

حطيت شنطتي بهدوء.

— 20 دقيقة.

كنت اتعلمت أقيس الجو قبل ما أرد عليه.

— قلت لك على عقد شركة الدلتا.

قال:

— رامي العشري كان في الشركة النهارده.

معدتي اتقبضت.

الإحساس القديم رجع.

إحساس إن حاجة سيئة جاية، بس مش عارفة منين.

قال:

— إنتِ كنتِ معاه في الأسانسير.

بصيت له.

— إنت عرفت منين؟

وسكت.

لأني عرفت الإجابة.

مراد كان دايمًا بيلقي طريقة يعرف بيها.

قال بصوت واطي:

— هو بيبص لك.

قرب خطوة.

— متقوليش لي إنه مش بيبص لك.

— هو مديري يا مراد.

الجملة دي كنت قلتها مرات كتير لدرجة إنها فقدت معناها.

— دي كل الحكاية.

قال:

— متعمليش كده.

قرب أكتر.

— متقفيش قدامي وتتصرفي كأني بتخيل حاجات.

نَفَسه اتغير.

— أنا مش بتخيل.

أشار ناحيتي.

— إنتِ ضحكتي مع دارين الصبح.

وبعدين قال:

— واتأخرتي النهارده.

ضيّق عينيه.

— مين كمان يا سلمى؟

إيده قفلت حوالين رسغي.

بقوة.

كنت عارفة القبضة دي.

وعارفة العلامات اللي بتفضل بعدها.

— محدش.

صوتي اتهز.

— مراد، إنت بتوجعني.

لكنه ما سابنيش.

بالعكس، شدني ناحيته.

وشه قرب من وشي.

وفي اللحظة دي، وأنا واقفة في مطبخي وإيده حوالين رسغي، ونبضي بيخبط تحت أصابعه، فهمت الحقيقة اللي كنت برفض أشوفها.

ده ما كانش حب.

عمره ما كان حب.

كان امتلاك.

حاجة بدأت من الشهر التامن.

يمكن قبل كده.

يمكن أنا اللي قضيت سنتين ونص برفض أشوف الحقيقة.

حاولت أفلت إيدي.

إيده التانية ارتفعت.

وضربتني على وشي.

الصوت كان أسوأ من الألم.

فرقعة حادة.

طنين في وداني.

راسي اتلفت للجانب.

والدنيا اسودت للحظة قدام عيني.

وبعدين سكتنا إحنا الاتنين.

حطيت إيدي على خدي.

ملامح مراد اتغيرت من الصدمة لحاجة ما قدرتش أفهمها.

قال:

— سلمى.

ومد إيده ناحيتي.

رجعت خطوة لورا.

— متلمسنيش.

لأول مرة، فهمت إن اللحظة دي مش مجرد خناقة.

دي كانت النهاية.

دخلت الحمام وقفلت الباب ورايا.

إيدي كانت بتترعش وأنا بطلع موبايلي.

دموعي نزلت من غير ما أحس.

وفجأة افتكرت الكارت الصغير اللي حطيته في شنطتي.

رقم رامي العشري.

الرقم اللي قال لي:

«لو احتجتي أي حاجة… كلميني في أي وقت.»

طلعت الكارت.

فضلت باصة للرقم ثواني طويلة.

كنت خايفة.

مش من رامي.

كنت خايفة من فكرة إني أخيرًا أعترف لحد إن حياتي خرجت من إيدي.

ضغطت اتصال.

رد من أول رنة تقريبًا.

— ألو؟

حاولت أتكلم.

صوتي ما طلعش.

سكت لحظة.

وبعدين صوته اتغير.

— سلمى؟

شهقت.

— أيوه.

— إنتِ فين؟

بصيت للباب المقفول.

سمعت خطوات مراد في الخارج.

همست:

— أنا محتاجة مساعدتك.

سكت رامي ثانية واحدة.

وبعدين قال بهدوء حاسم:

— قوليلي العنوان.

دموعي نزلت أكتر.

قلت:

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى