روايات وقصص

«تحت ثلوج الوادي الأحمر» حكايات شروق خالد

كانت نادين عندها تلاتة وعشرين سنة، لكنها عاشت أكتر مما يعيشه ناس أكبر منها بمرتين. الحمى أبوها وأمها وهي عندها سبعتاشر سنة، وتلات سنين وهي بتطبخ في مخيمات التعدين علمتها إن الوحدة أحيانًا أأمن بكتير من في الشخص الغلط.لكن الوحدة ما كانتش هتنقذها الليلة دي.تعثر فرسها.شدت نادين ، وبصت حواليها وسط البياض اللي غطى كل حاجة.

كان مخيم الوادي الأحمر لسه بعيد أميال، والاستمرار في الطريق معناه إنها بتحط حياتها في عاصفة كانت بتزداد قوة كل دقيقة.لفت ناحية الغرب.وبعد عشرين دقيقة من اليأس، ظهر شكل أسود بين الأشجار.

كادت نادين تبكي من شدة الارتياح.

أدخلت الفرس تحت سقيفة متهالكة، وأخذت بطانيتها وكيس الطعام، ثم دفعت باب الكوخ بقوة.

خطت خطوة واحدة.

وفجأة…

تحرك شيء.

تجمدت نادين مكانها.

نهض رجل من الركن البعيد دون صوت.

قال بصوت منخفض وهادئ:

«ما تخافيش. أنا مش هأذيكي.»

اشتعلت عود ثقاب.

ولثانية واحدة فقط، رأت نادين وجهه.

كان في حوالي التلاتين، ، وشعره أسود، وعيناه تتحركان مع كل حركة منها وكأنه يزن مدى خطورتها.

قال:

«أنا اسمي آدم الشناوي.»

ثم أضاف:

«وجيت هنا لنفس السبب اللي جابك.»

ظلت يد نادين قريبة من .

«العاصفة؟»

«العاصفة.»

هبت دفعة جديدة من الرياح، فاهتز الكوخ كله.

نظر آدم إلى .

«لو أي واحد فينا خرج الليلة، غالبًا .»

كان من الصعب عليها أن تجادله.

قالت:

«يبقى ولّع النار. إيدي بدأت .»

ظهر على وجهه شيء يشبه .

«حاضر يا ست الكل.»

خلال دقائق، بدأت النيران تنتشر بين الأغصان الجافة.

لاحظ آدم ذلك.

«قعدتي بره وقت طويل.»

ردت:

«وإنت كمان.»

لم يجب.

سألته:

«ضاع وأنا بعدي النهر.»

«إمتى؟»

«امبارح.»

حدقت فيه نادين.

قالت:

«أنا كويس.»

«أنا ما سألتكش.»

رفع آدم حاجبه.

«يا تحافظ على كرامتك، يا تحافظ على نفسك. الليلة دي مش فارق معايا أنهي واحد فيهم هيخليك تحس إنك راجل محترم.»

ابتسم آدم

حكى لها آدم إنه كدليل، وصياد، ومترجم، وإنه عمره ما كان بيستقر في مكان فترة طويلة.

فهمت نادين كلامه أكتر مما توقعت.

مخيم الوادي الأحمر كان مليان رجال يعرفونها باعتبارها المرأة التي تعد لهم الإفطار قبل شروق الشمس .

سألها آدم:

«طيب ليه لسه هنا؟»

«الفلوس.»

«سبب سيئ.»

«سبب عملي جدًا.»

«الأسباب ممكن تكون .»

كادت نادين تضحك.

لكن فجأة الرياح من خلال شقوق الكوخ.

وانخفضت الحرارة.

حاول الاثنان سد الفتحات بالقماش، لكن الأمر لم يغير شيئًا.

وبحلول منتصف الليل، بدأ الجليد يتكون من الداخل على النوافذ.

كانت نادين قادرة على رؤية أنفاسها.

ثم نظرت إلى آدم.

لم يعد .

شعرت بالخوف.

«آدم؟»

رفع رأسه ببطء.

كانت عيناه شاردتين.

لمست نادين يده.

كانت باردة بشكل .

«لأ.»

فردت بطانياتها فورًا بجوار .

راقبها آدم.

«إنتِ بتعملي إيه؟»

«بحاول أخليك تفضل عايش.»

«أنا هابقى كويس.»

«إنت بطلت .»

تغيرت ملامحه.

فهم.

فردت نادين بطانية على الأرض، ووضعت فوقها باقي البطاطين.

نظر آدم إلى ثم إليها.

«لأ.»

«أيوه.»

«نادين…»

«إحنا محتاجين حرارة جسم.»

تجمد تمامًا.

المعنى كان واضحًا بينهما.

قالت:

«هننام تحت البطاطين… مع بعض.»

«لأ.»

«ليه؟»

«عشان إنتِ عارفة الناس هتقول إيه.»

حدقت فيه بعدم تصديق.

«مفيش ناس هنا.»

«هيكون فيه بكرة.»

«لو عشنا لحد بكرة.»

نظر آدم بعيدًا.

اقتربت نادين منه.

«اسمعني. أنا سنين بخاف الناس تقول عليا إيه. ومش لحد الليلة دي عشان ناس غريبة على أخلاقي بكرة.»

شد فكه.

«ادخل تحت البطاطين.»

«نادين…»

«دلوقتي.»

استجاب.

كانت حركاته بطيئة بشكل .

ظل الاثنان متباعدين بشكل مبالغ فيه لثوانٍ، يحاولان الحفاظ على مسافة مستحيلة داخل مساحة بالكاد تتسع لشخصين.

اقتربت منه نادين.

كان جسده باردًا لدرجة أخافتها.

قالت:

«حط دراعك حواليا.»

فتح عينيه.

«إيه؟»

«إنت سمعتني.»

«ماينفعش.»

«آدم.»

تردد للحظة، ثم لف ذراعه حول .

أسندت نادين ظهرها إلى .

ولم يتكلم أي منهما.

وببطء، وبصعوبة، بدأت الحرارة تتجمع تحت البطاطين.

مرت الدقائق.

ثم ساعة.

بدأ تنفس آدم يعود إلى طبيعته.

همس:

قالت:

«لسه ماعدناش الليل.»

أغمضت نادين عينيها.

، وأنفاسه التي تلامس شعرها، والأمان الغريب الذي شعرت به بجوار رجل لم تقابله إلا منذ ساعات.

قال آدم فجأة:

«كان عندي زوجة زمان.»

فتحت نادين عينيها.

«اسمها آمنة.»

تغير صوته.

«ماتت من أربع شتاوات.»

ابتلع كلماته .

«بعدها قررت إن احتياجي لشخص تاني ضعف ماينفعش أسمح لنفسي بيه.»

ابتلعت نادين ريقها.

«أنا وصلت لنفس النتيجة بعد ما أبويا وأمي.»

سألها:

«ونجحت؟»

«لأ.»

ضحك آدم بهدوء.

«ولا أنا.»

عاد الصمت.

لكنه لم يكن نفس الصمت.

التفتت نادين نحوه.

وكان بإمكانها رؤية كل التردد في عينيه.

سألها:

«عشان الدفا؟»

توقف آدم لحظة.

«في البداية.»

خفق قلبها.

كانت نادين تعرف بالضبط أين يقع الحد بينهما.

وتعرف أيضًا ماذا يمكن أن يعني عبور هذا الحد.

في الخارج، كانت العاصفة .

وفي الداخل، ظل آدم ينتظر دون أن يتحرك.

همست نادين:

«إحنا ماينفعش نكون نايمين بالشكل ده.»

وفجأة…

اصطدم شيء بباب الكوخ.

مرة واحدة.

بعنف.

تجمد الاثنان.

ثم جاءت الضربة الثانية وهزت إطار الباب.

«اتأخرنا.»

وفي اللحظة نفسها…

ثبت آدم عينيه على الباب، بينما أشار لنادين بإصبعه أن تظل صامتة.

كانت أنفاسها متسارعة.

الضربة الثالثة جاءت أقوى.

اهتز الباب الخشبي، وانزلقت طبقة من الثلج من فوق السقف.

همست نادين:

«مين ده؟»

رد آدم دون أن ينظر إليها:

«لو كنت عارف، ماكنتش قلتلك اتأخرنا.»

اقترب من الباب بخطوات بطيئة، وأمسك بندقيته بكلتا يديه.

ثم توقف.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى