روايات وقصص

طريق النجاة الأخير#حكايات_شروق_خالد

الراجل اللي كان واقف جنب أمين الشرطة تقدم لقدام، وكان المقدم هشام من مباحث القسم. بص لزياد نظرة كلها احتقار، وبعدين بص لمعصم مريم اللي كانت عليه الكدمات ولأظافريها، وقال بصوت بارد: “مراتك؟ شكلك نسيت إن الدكتور بلّغ عن شبهة جنائية، والكدمات اللي في إيدها دي بتديك تذكرة مجانية للتحقيق الفوري بتهمة الإيذاء المتعمد والتأثير الضار البطيء!”

أمه صفاء لطمت على وشها وقالت بصراخ هستيري: “تأثير إيه وبطيء إيه؟! إحنا ناس محترمة.. دي بنت قليلة الأصل وبتبلي علينا!”

المقدم هشام اشار للحرس ولأمين الشرطة وقال بصوت حاسم: “كل الكلام ده هتقولوه في القسم.. كتفوا الاتنين دول وهاتوا الملف الطبي والحرز بتاع المريضة حالا.”

زياد وهو متكتف واتشد لبرة، بص لمريم نظرة مرعبة ومليانة حقد، وقال بصوت مكتوم: “وحياة أمه لأدفعك ثمن اللي عملتيه ده غالي قوي!”

مريم استندت على ترابيزة الدكتور ميشيل وهي حاسة إن روحها رجعت لها لأول مرة من سنين، ودموع الفرج نازلة على خدها وهي بتهمس لنفسها: “أخيراً.. الكابوس خلص.”

#حكايات_شروق_خالد

في اللحظة اللي كانت واقفة فيها قدام الشباك بتستنشق هوا الحرية، سمعت صوت رزع الباب الرئيسي للشقة اللي كانت مأجرها في منطقة هادية بوسط البلد. قلبها دق بخفة، بس مكنش خوف زي زمان.. كان فضول واطمئنان.

دخل عز الدين وبص عليها بابتسامة دافية وهو بيرمي جاكيته على الكنب، وقال بصوت حنون: “كنتِ فين؟ مش قولتلك ما تقفيش قدام الشباك كتير والجو لسه هواء؟”

مريم التفتت ليه وابتسمت ابتسامة من القلب، وقربت منه بخطوات ثابتة وقالت: “كنت بشم هوا نضيف.. هوا مفيش فيه ريحة خوف ولا مواد ضارة.”

عز الدين مد إيده وحضنها بحنان، ومرر أصابعه على شعرها وقال: “خلاص يا مريم، القضية اتقفلت بشكل رسمي، وزياد وأمه ودعوا الحرية للأبد في المساءلة، ومفيش كائن حي يقدر يضايقك بعد النهاردة.”

مريم رفعت عيونها ليه وقالت بامتنان عميق: “أنا لسه مش مصدقة إن الكابوس ده كله خلص.. لولاك يا عز الدين، ولولا إنك ظهرت في حياتي في الوقت المناسب، كنت زماني في خبر كان.”

عز الدين بص في عيونها بحب وقال بلهجة قاطعة: “أنا مكنتش بعملك فضلة خير، أنا كنت بجبلك حقك.. ومن النهاردة، مفيش غير حياة جديدة لينا إحنا الاتنين وبس.”

قعدوا مع بعض على الكنب، وبصوا لقدامهم في بكرة، وهما متأكدين إن مهما الدنيا قست ودارت، السند والحق دايماً بينتصروا في النهاية.

المقدم هشام مد إيده بحسم وشد على كتف زياد بقسوة، ودفعه قدامه هو وأمه في ممر المستشفى، وسط نظرات الممرضات والدكاترة اللي كانوا متابعين الموقف بصدمة. صوت صراخ صفاء وشتائم زياد كان بيتردد في أرجاء الطوارئ، لحد ما اختفوا تماماً مع رجال الأمن والجهات في اتجاه العربية اللي بره.

جوه أوضة الكشف، مريم وقعت على الكرسي كأنها فقدت آخر نقطة طاقة في جسمها. جسمها كله كان بيترتعش، ودموعها نازلة بغزارة، بس لأول مرة من سنين طويلة، حست إن الهوا بيدخل صدرها بحرية ومن غير خوف.

الدكتور ميشيل جاب كوباية مية وقرب منها بحنان أبوي، حطها قدامها وقال بصوت دافئ: “شربي شوية مية يا بنتي.. اهدي، خلاص، الجهات خدتهم، ومحدش هيقدر يأذيكي تاني أبداً.”

مريم مسكت كوباية المية بإيدين بترتجف، وشربت ببطء، وبصت للدكتور بامتنان عميق وقالت بصوت مكسور: “أنا.. أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا دكتور.. لولاك، كنت زماني في خطر.. هما كانوا بيأثروا عليا بالبطيء، كنت حاسة إن جسمي بينطفي كل يوم.”

الدكتور ميشيل هز راسه بأسف وقال: “الخطوط البيضا اللي على أظافرك وتنميل الأطراف دي علامات واضحة جداً لتأثير مادة ضارة بتتدرج في الاكل والشرب بانتظام.. التقرير الطبي اللي هعمله دلوقتي هيكون دليل إدانة قاطع ضدهم في النيابة.”

في اللحظة دي، دخلت ممرضة وقالت بجدية: “يا دكتور، المقدم هشام بينادي حضرتك بره عشان يمضي الأوراق الأولية قبل ما ينقلوا المريضة لغرفة المتابعة.”

الدكتور بص لمريم وقال: “ثواني وراجع لك.. ارتاحي دلوقتي خالص.”

مريم قعدت لوحدها في الأوضة الهادية، بصت لإيديها اللي كان عليها آثار الكدمات، وحطت إيدها على بطنها وهي بتفتكر الشهور اللي فاتت كلها.. الذل، الخوف، التهديدات المستمرة، وإحساسها إنها لوحدها في الدنيا دي بعد موت أهلها. بس دلوقتي، كل ده انكشف.. وزياد وأمه راحوا المكان اللي يستحقوه.

بعد شوية، رجع الدكتور ميشيل ومعاه ممرضة جهزت كرسي متحرك وقالت بلطف: “يلا يا مدام، تعالي نققلك في أوضة هادية في الدور اللي فوق عشان ترتاحي وتعملي بقية الفحوصات في أمان.”

مريم ركبت الكرسي، وطلعت لفوق وهي حاسة إنها بتولد من جديد. الأيام اللي بعد كده كانت عبارة عن بداية حياة تانية؛ تحقيقات النيابة أثبتت تورط زياد وأمه في وضع مواد ضارة ببطء في أكلها بهدف الاستيلاء على ممتلكاتها وميراثها بعد وفاة أهلها، والتقارير الطبية دمرت أي فرصة لهم في الهروب من القضية.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى