
الساعة 3 وربعمية دقيقة الفجر، تليفوني رن، وعسكري الشرطة قالي إن سكرتيرتي كادت تقتل واحداً بكوباية شاي! في عشرين سنة من إدارة إمبراطوريتي، سمعت بلاوي ومصايب شكل ألوان، بس اللي سمعته ده كان لوحده فيلم رعب. الست دي—اللي عمرها ما فقدت أعصابها ولا اتهزت في يوم—قاعدة جوه الحجز، ورافضة تكلم محامي أصلاً.. والراجل اللي ضربته ده بيشتغل مع ألد أعدائي!
“يا باشا؟ معاك النقيب هشام من القسم.”
الدم جمد في عروقي. قعدت معدل على السرير، وباصص من ازاز البنتهاوس بتاعي في الزمالك على النيل، والمطر نازل يغرق الشوارع تحت.
“إيه اللي حصل لها؟”
“تسعة وعشرين سنة. اتقبض عليها في كافيه في وسط البلد.. وبتقول إنها شغال معاك.”
ندى كانت سكرتيرتي من تلات سنين. الست دي كانت مديرة مكتبي وعالمي الخطير بمواعيد مظبوطة بالدقيقة، وذكاء يوزن بلد، وأعصاب أهدى بكتير من أعتى رجالي.
كنت بشوفها بكل هدوء توقف كبار رجال الأعمال على حيلهم، دول ناس كلمة منهم ممكن تخرب بيوت، وهي كانت بتتعامل عادي. لدرجة إنها مرة أجلت صفقة بملايين الجنيهات عشان تتماشى مع ميعاد دكتور السنان بتاعي، وقالت لي بكل بساطة: “الوجع اللي ملش لازمة قلة إدارة وقت!”
“عملت إيه بس؟” سألت بصوت ناشف.
“على ما يبدو، فتحت دماغ واحد بكوباية زجاج، وطلع على المستشفي في الإسعاف.”
سكت كذا ثانية، مش عارف أنطق. ندى لا يمكن تكون ست عنيفة، وطبعاً مش متهورة بالشكل ده.
“مين الراجل ده؟”
“سعيد الجارحي.”
معدتي اتقبضت في ساعتها.
سعيد ده دراع المعلم البرنس اليمين، والمسؤول عن لِمة الإتاوات والبلطجة لأعدائي. بني آدم بيستمتع بترويع خلق الله، خصوصاً والبوديجاردات بتوعته واقفين وراه.
“ندى فيها حاجة؟ متعورة؟”
“كدمات خفيفة في إيدها، ورفضت تكشف عند الدكتور.”
طبعاً هتعمل كده. دي هي متكلبشة تفضل تتوجع لوحدها ولا إن حد يشوفها مكسورة أو ضعيفة.
“استخدمت مكالمتها الوحيدة عشان تتكلم معاك أنت بالذات،” كمل الظابط كلامه. “بس فيه طلب غريب أوي.. وصّتنا بالحرف الواحد منبلغش الشؤون القانونية بتوع شركتك.”
صوابعي عضت على التليفون بقوة.
“قالت ليه؟”
الظابط تردد شوية. “قالت لو كلمنا محامين الشركة قبل ما إنت تيجي بنفسك، فيه حد هيعرف هي فين وتولع الدنيا.”
سحابة ساقعة نزلت في ظهري.
“ماتبلغش حد تاني خالص عنها. أنا دقيقة وكون عندك ومعايا محامي تاني خالص.”
رفعت السماعة فوراً وكلمت رؤوف، محاميّ الخاص.
“يارب ما تكون مصيبة جنائية عابرة للقرارات!” قالها بصوت نايم.
“ندى محجوزة في القسم.. وسعيد الجارحي طرف في الحكاية.”
صوته اتقلب 180 درجة. “ثواني وأكون مكلم محامي جنائي شاطر.”
“واحد من برا يا رؤوف.. مش أي حد من مجموعة شركاتنا خالص.”
سكت ثواني طويلة.
“يا مراد.. إيه اللي مخبيه عليا؟”
“يا ريتني عارف يا رؤوف.”
بعد عشر دقائق بالضبط، كنت نازل ركبت عربيتي الجيب السوداء، لابس چينز وجاكيت جلد. عماد السواق طلع بينا في شوارع القاهرة اللي غرقانة مطر، وأنا عمال أقلب في الموبايل وحاسس بوجع في قلبي ورهبة أول مرة أحسها.
مبلغتش رئيس الأمن بتاعي. ولا كلمت عويس اللي ماسك الشغل في الموانئ، ولا أي حد من الرجالة اللي متعودين يمشوا ورايا في كل خطوة.
ندى كانت بتثق فيا لدرجة إنها خلتني مكالمتها الوحيدة، بس في نفس الوقت.. حذرتني إن رجالي أنا بالذات مايعرفوش بالقصة دي.
وهنا بقى.. الفكرة المرعبة دي نطت في دماغي ومقدرتش أهرب منها:
فيه حد جوه بيتي وعالمي أنا.. متورط!
أنا وثقت في ندى بكل أسراري تلات سنين، وعمرها ما خلتني أشبه 1% في عقلها. ولو هي وصلت إنها تفتح دماغ رجل المعلم البرنس، وتبعد محامين شركتي عن الموضوع.. يبقى هي مش هربانة من القسم..
دي كانت بتعمل كده عشان تحذرني أنا!
وأول ما سور القسم ظهر قدامي، سؤال واحد جمد الدم في عروقي: يا ترى مين جوه إمبراطوريتي اللي ندى مرعوبة منه للدرجة دي.. لدرجة أنها تفضل تقضي ليلتها وراء القضبان، ولا إنهم يعرفوا مكانها؟
#حكايات_شروق_خالدالساعة كانت دخلت على تلاتة وتلت بالظبط لما عماد فرمل بالعربية قدام بوابة قسم الشرطة. المطر كان بيخبط بغباوة على سقف الجيب، وشوارع القاهرة حوالينا مهجورة وكئيبة. نزلت وأنا حاطط إيدي في جيب الجاكيت الجلد، عيني محتارة بين تفاصيل القسم الباهتة وبين الموبايل اللي مولع في إيدي.
دخلت من باب القسم، ريحة الشاي البايت ورطوبة المكان ضربت في مناخيري. العساكر كانوا نايمين على كراسيهم، لكن النقيب هشام كان صاحي على مكتبه، أول ما شافني واقف قدامه عدل قعدته وبان عليه التوتر.
“حمد لله على السلامة يا مراد بيه.. نورت القسم في الساعة المباركة دي!” قالها بابتسامة صفراء وهو بيحاول يبين احترامه.
“سيبك من الواجب يا هشام.. وديني عند ندى فوراً،” قلتها بصوت هادي بس كان فيه نبرة تخلي أي حد يفهم إن اللعب مرفوض.
قام بسرعة وفتح الدرج وطلع المفاتيح، ومشي قدامي في ممر طويل جدرانه مقشرة ولمبات الليد فوقنا بتطرف وتزن. وقفنا قدام زنزانة انفرادية في آخر الممر.
ندى كانت قاعدة على الدكة الخشب اللي جوه، ضهرها للباب ولابسة الجاكيت بتاعها البسيط. إيديها اللي كانت دايماً بتكتب على اللاب توب بكل ثقة، كان حواليها شاش خفيف مكان الكدمات. أول ما سمع صوت خطواتنا، لفت وشها بسرعة.
عنيها جت في عيني. ما كانش فيها أي خوف من السجن أو الحجز، لكن كان فيها لمعة قلق حقيقي أول مرة أشوفها في ست تلات سنين اللي فاتوا.
النقيب هشام فتح الباب الحديد بصوت صرير مزعج، وقال: “معاكي خمس دقايق يا آنسة ندى.. مراد بيه بنفسه جه عندك.”
دخلت وقفلت الباب ورايا. ندى قامت وقفت بسرعة، وبصت حواليها كأنها بتطمن إن مافيش حد تاني بيسمعنا، وبعدين قربت مني خطوتين ووطت صوتها وقالت بلهفة:
“أنا كنت متأكدة إنك هتيجي.. بس كنت مرعوبة إنهم يعرفوا إنك عرفت.”
قربت منها أكتر، وصوت المطر برا كان عالي لدرجة كأنه بيحاول يغطي على كلامنا: “هشام قالي إنك وصّيتيهم ما يبلغوش الشؤون القانونية.. ونديم ورؤوف ميعرفوش حاجة.. فهميني يا ندى، إيه اللي بيحصل؟ وعلاقتك إيه بسعيد الجارحي بتاع البرنس؟”
بلعت ريقها، وبان عليها التعب، وقالت بصوت مهزوز شوية بس حاد:
“سعيد الجارحي ما جاش صدفة الكافيه يا مراد بيه.. ده كان قاعد مستنيني أنا بالذات. وكان ماسك في إيده فلاش ميموري بيقول إنها وصلتله من قلب مكتبي.. من جوه خزنتك الخاصة!”
الكلمة نزلت على دماغي زي الصاعقة. خزنتي أنا؟ دي مافيش حد في الدنيا يعرف كلمة سرها غيري أنا وحد تاني واحد بس!
“قصدك إمين؟!” سألت بصوت عالي نسيت نفسي فيه.
“قصدى إن اللي سرق المستندات الخطيرة بتاعة صفقات الموانئ وسلّمها لأعدائك.. مش بعيد عن الناس الكبار اللي قاعدين جنبك في القصر يا مراد.. واللي بعتوا سعيد عشان يهددني،” ندى وقفت ودموع قهر في عينيها، “أنا ضربته بالكوباية لما حسيت إنه خلاص هيخلص عليا.. بس المرعب مش هو.. المرعب إن الشخص اللي بتثق فيه أعمى.. هو اللي باعك للبرنس!”



