
كنت قد أجريت عملية جراحية لاستعادة بصري بعد عشرين عاماً من الظلام، ورغم أن زوجي توسل إليّ كثيراً ألا أفعل ذلك — إلا أنني في اللحظة التي فتحت فيها عيني ورأيته، فهمت أخيراً السبب.
فقدت بصري عندما كنت طفلة.
بدأ الأمر كمزحة؛ كنت على الأرجوحة في الملاهي لما ابن جيراننا زقني، وقعت على صخرة.
إصابة بالغة، وبعدها عملية، وفي الثانية…
لكن الدكاترة مقدروش ينقذوا بصري.
كرهت العتمة، بس أجبرت نفسي أتعلم إزاي أعيش فيها.
مياستش؛ كملت مدرستي، ودخلت الجامعة.
العمى مكنش يقدر يوقفني، مع إني كنت بحلم أرجع أشوف تاني أكتر من أي حاجة في الدنيا.
وفي زيارة من زياراتي للمستشفى، قابلت “حسام”، دكتور عيون شاب.
أول مرة اتكلمنا فيها، صوت كان طالع مالوف ليا بشكل غريب.
سألته: “هو إحنا نعرف بعض قبل كده؟”
قال لي: “لا.”
بدأنا نتقابل، وفي الآخر اتجوزنا، وخلفنا طفلين.
وفي يوم من الأيام، ابني الكبير سألني: “يا بابا… قصدي يا ماما، لما ترجعي تشوفي تاني، هتعرفيني؟”
حسام معملش استسلام أبداً في محاولاته إنه يرجع لي بصري. ولسنين طويلة، كان بيتدرب ويعافر من غير تعب، مصمم إنه يساعدني.
لحد ما جه اليوم اللي قال لي فيه أخيراً:
“أنا لقيت طريقة العملية… بس في نفس الوقت، مش عايزك تعمليها.”
وكل ما كان موعد العملية يقرب، كان بيحاول بكل جهده يقنعني أرجع في كلامي.
فكرني بالعيال، وبحياتنا، وبكل حاجة ممكن أخسرها.
كنت خايفة جداً، بس صممت وعملت العملية.
حسام هو اللي كان الجراح. باسني قبل ما البنج يشتغل، وكان واقفي جنبي أول ما فقت.
عينيا كانت لسة متغطية بالرباط.
وفي اللحظة اللي سمعت فيها حسام بيتكلم، حسيت إن في حاجة غلط.
سألته: “هي العملية فشلت؟”
قال حسام: “لا، نجحت. خلاص هتشوفي تاني.”
بس مكنش في أي فرحة في صوته.
بدأ يشيل الرباط بالراحة خالص.
وفجأة قال: “متكرهنيش… قبل ما تشوفيني، في حاجة لازم تعرفيها. الحاجات مش زي ما أنتِ فاكرة.”
ضحكت وانا متلخبطة، مكنتش فاهمة هو بيتكلم عن إيه.
وبعدين شال آخر حتة من الرباط.
النور دخل عينيا.
ولأول مرة من عشرين سنة، قدرت أشوف!
في الأول كل حاجة كانت زغللة، وبعدين شوية بشوية، الرؤية بدأت توضح.
ولما شفت وش حسام أخيراً… الخوف اتجمد في عروقي.
وفي اللحظة دي بالذات، فهمت بالظبط ليه جوزي كان بيترجاني أرجع في كلامي وما أرجعش أشوف!
بصيت له ونا مش مصدقة عيني.. الوجه اللي قدامي مكنش غريب عليا خالص، ده كان وش الجار اللي زمان وهو طفل دفعني من على الأرجوحة.. حسام كان هو نفسه “مروان” ابن الجيران اللي تسبب في ظلمة سنين عمري كلها!
قبل ما يسألني أو ينطق بحرف، كان الكلام هرب من لساني وأنا باصة لعيونه اللي كانت مليانة دموع الندم والخوف.
قال بصوت مكسور ودموعه نازلة: “كنت خايف.. خايف لما تشوفيني وتعرفي الحقيقة تسبيني، أو تبصي لي نظرة كره تموتني. طول السنين دي كنت بحارب مع نفسي عشان أصلح الغلطة اللي عملتها وأنا طفل.. كنت بصلح نظرك عشان أريح ضميري، بس في نفس الوقت كنت مرعوب من اللحظة دي.”
فضلت قاعدة مكاني، الأفكار بتخبط في راسي زي الموج. جوزي.. دكتور عيون اللي حبني، وعوضني، وخاف عليا.. هو هو نفس الشخص اللي ظلمني وأنا طفلة. تنهدت والدموع أخيراً سالت على خدودي، وبصيت له نظرة جمعت بين الصدمة والوجع.
مفترقتش عنه.. بس الحياة عمرها ما هترجع زي الأول، لأن النور اللي رجع لعينيا، كشف لي وراء الستر سر هيغير حياتنا للأبد.
#حكايات_شروق_خالد
فضلت باصة له دقايق طويلة، والصمت اللي بينا كان أصعب بكتير من ظلام السنين اللي فاتت. حسيت إن عقلي مش متستوعب؛ ازاي الشخص اللي دمر طفولتي، هو نفسه الشخص اللي بنى معايا عيلة، وحارب السنين دي كلها عشان ينور لي طريقي؟
مسح دموعه بكم الجاون الطبي، وقال بصوت خافت مقطوع: “عارف إن اللي عملته مش سهل يتنسي.. وإن طفولتك اللي راحت بسبب طيشي مستحيل تعود. بس والله العظيم، من يوم ما كبرت وعرفت اللي عملته، وأنا بحاول أكفر عن ذنبي. حب ليكِ مكنش تمثيل.. تعبي معاكي وسهري وعلاجي ليكي كان حب حقيقي وتكفير عن ذنب كبير فضل راكب ضميري سنين.”
بصيت لعيونه اللي كانت تايهة، وبصوت هز حيطاني الأوضة قلت له: “ولما عرفت إني أنا هي.. ليه اتجوزتني يا حسام؟ ليه كملت؟ ليه متجوزتش واحدة تانية وتعيش حياتك بعيد عن ذنبك؟”
قرب مني بحذر كأنه خايف أقرب منه أو أبعد، وقال: “أول يوم شوفتك فيه في المستشفى، وصوتك دخل قلبي.. حسيت إن القدر بيدينا فرصة تانية. لما عرفت مين أنتِ، لقيت نفسي بحب فيكي كل حاجة، حتى قسوة الظلام اللي عشتيه بسبب طيشي. كنت بصلح اللي كسرته، وكنت ببني معاكي حياة جديدة عشان أسامح نفسي.. بس كنت عارف إن اللحظة دي هتيجي، اللحظة اللي هتكشفني فيها.”
نزلت دمعة حارة على خددي، وبصيت للأطفالنا اللي كانوا بره الأوضة بيلعبوا ومش فاهمين حاجة. لقيت نفسي في صراع مرير؛ هل أكرهه على ذنب طفولة متهورة كسرني زمان؟ ولا أشكره إنه كرس حياته كلها عشان يعوضني ويفتح عينيا على النور من تاني؟
حطيت ايدي على وجهه لأول مرة وأنا بعينين مفتوحين، وحسيت بدفء إيديه اللي تعبت عشاني.. وبصوت هادي قلت له: “الماضي مش هيرجع يا حسام.. والظلام اللي عشته زمان ما يمحيهوش كلام، بس يمكن.. يمكن ربنا أراد نلتقي عشان النهاية متبقاش مجرد جرح، بل تكون بداية جديدة بجد.”
دموعه نزلت على إيدي وهو ماسكها وبيقبلها كأنه بيستمد منها الأمان، وقال بصوت مليان رجا: “أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تفضلي مكملة معايا.. تطلبي مني إيه عشان تسامحيني بجد؟”




