روايات وقصص

نور بعد العتمة#حكايات_شروق_خالد

سحب إيدي ببطء، وبصيت للأوضة البيضاء اللي حواليا، ولأول مرة بشوف تفاصيلها الواضحة قدامي. حسيت إن روحي اللي كانت تايهة في العتمة سنين طويلة، ابتدت تلاقي مرساها، حتى لو المرساة دي متلخبطة ومعقدة.

قلت له بصوت هادئ وحازم في نفس الوقت: “مش عايزة منك تعويض يا حسام.. ولا عايزة كلام كتير. أنا عايزة وقت.. وقت طويل أستوعب فيه إن الشخص اللي بصلح معاه حياتي، هو نفسه السبب في ضياع نصها.”

هز راسه بموافقة ووجع: “موافق.. خدي كل الوقت اللي تحتاجيه. أنا مستعد أفضل مستنيكِ العمر كله، زي ما استنيكِ ترجعي تشوفي.”

قمت من على السرير بخطوات بطيئة، أول مرة أحس بثبات رجليا على الأرض وأنا شايفة الطريق قدامي. فتحت باب الأوضة، ولقيت طفلنا وطفلتنا واقفين برة بيلعبوا وبيجروا. بصيت لهم وهم بيضحكوا، وحسيت بنبضة أمل حقيقية جوه قلبي. النور اللي رجع لعينيا مكانش مجرد بصر، ده كان كشف جديد لكل حاجة حواليا.. يمكن السكة صعبة، بس الجاي يستاهل.

#حكايات_شروق_خالد

بعد مرور أسبوعين، رجعنا البيت. كانت كل ركنية في البيت، وكل تفصيلة صغيرة، باينة قدامي كأنها لوحة جديدة بشوفها لأول مرة. الأطفال كانوا فرحانين بي أكتر، وكل شوية يجوا يقفوا قدامي ويسألوني: “يا ماما، عيونك حلوة كده ليه؟ شاخدانا كويس؟” كنت ببتسم لهم وعيونهم تدمع من كتر التأثر.

أما حسام، فكان بيمشي جنبي بحذر شديد، زي ما يكون خايف أهتز أو أقع. كان بيحاول بكل طريقة يعملها يرضيني، من غير ما يضغط عليا. معملش أي حركة تضايقني، وكان سايبني آخد وقتي وكامل مساحتي في التفكير.

في ليلية هادية، كنت واقفة قدام الشباك بصاصة على الشارع والنور المنور برة، حسيت بخطواته بتقرب مني بصمت. وقف جنبي على البلكونة وقال بصوت خافت: “بتفكري في إيه يا شروق؟”

بصيت له وقلت بهدوء: “بفكر في السنين اللي فاتت دي كلها يا حسام.. كنت باكل، وأشرب، وأضحك، وأتعلم، وأصادق ناس، وأتجوزك وأنا كلي رضا بقضاء ربنا. كنت فاكرة إن الظلام ده مجرد ابتلاء من عند ربنا، وعمري ما تخيلت أبداً إن في وراه يد بشرية.”

مسك إيدي بحنان وقال: “عارف.. وعارف إني مهما عملت، مستحيل أمسح اللحظة دي من ذاكرتك. بس والله العظيم، من يوم ما عرفت بالصدفة وأنتِ في المستشفى ساعتها إنكِ نفس البنت اللي سقطت زمان، وأنا حياتي كلها اتغيرت. حسيت بإن ربنا سخرني عشان أكون سبب في رجوع النور لعينيكِ زي ما كنت سبب في ضياعه.”

سحب إيدي ببطء، وبصيت في عيونه اللي بان فيها الصدق والخوف الحقيقي من إنه يخسرني، وقبل ما ينطق بحرف تاني، حطيت إيدي على بوقه برفق وقلت له: “خلاص يا حسام.. اللي حصل في الطفولة كان قدر، وغلطة عيال طايشة.. أنا سامحتك.”

اتسعت عينيه بصدمة وفرحة ملوش حدود، ونزلت دمعة سخنة من عينه على إيدي. حضنني بقوة كأنه بيمتلك العالم كله، وحسيت ساعتها إن القلب اللي كان مجروح بدأ يلتئم بجد.

النور اللي رجع لعينيا مكانش مجرد بصر، ده كان نور بيسامح، وبيغفر، وبيفتح صفحة جديدة مليانة أمل وحب مع ولادنا، بعيد عن ظلام الماضي اللي انتهى للأبد.

نور بعد العتمة

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى